الرئيسية آراء وأقلام على خط النار …..هل انكسر مشروع اسرائيل الكبرى على صخرة البوابة الايرانية

على خط النار …..هل انكسر مشروع اسرائيل الكبرى على صخرة البوابة الايرانية

1452351.jpeg
كتبه كتب في 23 مارس، 2026 - 11:34 صباحًا

بقلم: حسن نطير
يبدو في خضم التصعيد المتسارع الذي يهز الشرق الأوسط، ان الحرب الدائرة لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الضربات المتبادلة، بل من خلال التحول العميق في الأهداف والنتائج ومساحات الضغط. فالمواجهة التي دخلتها واشنطن وتل أبيب بسقف مرتفع، عنوانه تغيير النظام الإيراني وكسر بنيته الاستراتيجية وإخضاعه عسكرياً وسياسياً، أخذت تنحدر تدريجياً نحو هدف أكثر ضيقاً وأقل طموحاً: ضمان أمن الملاحة البحرية ومرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز. وهذا التحول لا يعكس مجرد إعادة ترتيب للأولويات، بل يكشف، في جوهره، أن إيران نجحت في فرض إيقاع مغاير للحرب، وأنها دفعت خصومها إلى التراجع من منطق الهجوم لتغيير الواقع إلى منطق الدفاع لتأمين الممرات.
لقد بُني الرهان الأمريكي الإسرائيلي منذ البداية على فرضية واضحة: التفوق التكنولوجي والعسكري كفيل بحسم المعركة سريعاً، وفتح الطريق أمام خنق إيران من الداخل، أو على الأقل دفعها إلى الانكسار الاستراتيجي. غير أن الوقائع الميدانية والسياسية ذهبت في اتجاه مختلف. فبدلاً من الانهيار الداخلي، ظهر تماسك لافت في الجبهة الإيرانية، وبدلاً من السيطرة المطلقة على السماء، تكشفت حدود المنظومات الأمريكية والإسرائيلية، وبرزت قدرة إيرانية على إيصال الصواريخ إلى أهدافها، مع ظهور أسلحة وأنماط هجومية أربكت الحسابات الإسرائيلية ووضعت قيادتها السياسية والعسكرية تحت ضغط نفسي وأمني غير مسبوق. ولم يعد هذا الارتباك خافياً، بعدما باتت القيادة الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى الظهور من داخل الملاجئ والتحصينات، في صورة تختزل انتقالها من موقع المبادرة الواثقة إلى موقع الدفاع القلق.
وفي موازاة هذا الإخفاق الميداني، بدا دونالد ترامب كأنه يحاول توسيع دائرة الحرب عبر جرّ حلف شمال الأطلسي إلى الانخراط فيها تحت عنوان حماية الملاحة الدولية. لكن هذه المحاولة نفسها حملت في طياتها اعترافاً غير مباشر بأن الأهداف الأمريكية تقلصت بشكل واضح. فبعد خطاب التهديدات الكبرى ومحاولات فرض تغيير استراتيجي داخل إيران، أصبحت الأولوية الفعلية هي منع اختناق أسواق الطاقة وتأمين عبور النفط عبر مضيق هرمز. وهنا بالضبط تتضح نقطة التحول الحاسمة: حين يصبح أقصى ما تطمح إليه القوة الأعظم في العالم هو ضمان مرور السفن، فهذا يعني أن الطرف المقابل نجح في نقل المعركة إلى المجال الذي يملك فيه أوراق ضغط حقيقية ومؤلمة.
هذا التحول لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء حصيلة تراكم عناصر كثيرة لم تحسبها واشنطن وتل أبيب بدقة كافية. فمن جهة، لم تنكسر الجبهة الداخلية الإيرانية، بل ازدادت تماسكا في مواجهة الضربات والتهديدات. ومن جهة ثانية، لم ينجح التصعيد العسكري في فرض معادلة ردع نهائية، بل كشف أن إيران ما زالت قادرة على الاحتفاظ بهوامش مناورة واسعة. كما أن طهران لا تزال تحتفظ بأوراق ضغط إضافية لم تُستخدم كلها بعد، سواء عبر حلفائها في الإقليم، أو عبر ما يوحي به التلويح بتوسيع الشراكات العسكرية الدولية على نحو يربك الحسابات الأمريكية. فمجرد الإشارة إلى إمكان استضافة حضور عسكري روسي أو صيني في المنطقة يوجّه رسالة ثقيلة إلى واشنطن مفادها أن سياسة الضغط الأقصى قد تدفع نحو نتائج جيوسياسية معاكسة تماماً لما تريده الولايات المتحدة.
وإلى جانب هذه الأوراق، برز عامل إقليمي لا يقل أهمية، يتمثل في امتناع عدد من دول الخليج عن الاصطفاف الكامل في المعسكر الأمريكي الإسرائيلي، إدراكاً منها أن أي انخراط مباشر في الحرب قد يجعل منشآتها الطاقية وأمنها الاقتصادي في قلب دائرة الردع الإيراني. وهذا المعطى منح طهران هامشاً إضافياً للمناورة، لأن الحرب لم تعد محصورة في تبادل الضربات، بل أصبحت معركة على خرائط الطاقة، وعلى حسابات الأسواق، وعلى من يتحمل كلفة الانفجار الكبير إذا اتسع نطاقه.
أما على المستوى الدولي، فقد ظهر بوضوح أن واشنطن أخفقت في بناء جبهة غربية موحدة خلف حربها. فالمواقف الأوروبية اتسمت بالتحفظ أو الرفض أو الميل إلى الحياد، وذهبت بعض الدول، مثل إسبانيا وإيطاليا، إلى التعبير الواضح عن رفض الانخراط في هذه الحرب أو توفير غطاء سياسي لها. ولم يكن هذا التردد الأوروبي منفصلاً عن السياق العام الذي جاءت فيه الحرب، وهو سياق مثقل بالغضب الدولي من إسرائيل بسبب ما ارتكبته في قطاع غزة من جرائم هزت الضمير العالمي، ودفعت قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي والنخب السياسية إلى رفض الظهور في صف واحد مع تل أبيب في مواجهة جديدة. وهكذا وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام واقع بالغ الصعوبة: حرب تريد لها أن تكون حرب الغرب، لكنها تتحول تدريجياً إلى عبء سياسي لا يرغب كثير من الحلفاء في حمله.
وقد انعكس هذا الفشل في تجميع الحلفاء على خطاب ترامب نفسه، الذي بدا أكثر توتراً وغضباً من الحلف الأطلسي، إلى درجة أن نبرته حملت استخفافاً واضحاً بجدوى الناتو وجدّيته. وهذه اللغة ليست مجرد انفعال سياسي عابر، بل تعبير عن مأزق حقيقي: فالرئيس الأمريكي الذي كان يريد قيادة اصطفاف دولي واسع حول حربه، وجد نفسه أمام حلفاء مترددين، وأمام شركاء يحسبون كلفة المغامرة أكثر مما يستجيبون لنداءات التعبئة. وحين يفشل البيت الأبيض في تحويل الناتو إلى مظلة سياسية وعسكرية جامعة، فإن الحرب تصبح أكثر عزلة، وتغدو كلفتها الاستراتيجية أعلى بكثير.
ومن هنا تكتسب القراءة التي تربط بين ذهنية ترامب الاقتصادية واحتمال انتقاله لاحقاً إلى مقاربة أكثر براغماتية قدراً كبيراً من المعقولية السياسية. فالرجل الذي ينظر إلى الصراعات من زاوية الأسواق والطاقة والعائدات والخسائر قد يجد نفسه، إذا استمر الاستنزاف وارتفعت الكلفة، ميالاً إلى الانعطاف من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق الصفقة. وقد لا يكون مستبعداً، ضمن هذا المسار، أن يفاجئ العالم بقرارات تتجه نحو تخفيف العقوبات أو إعادة فتح أبواب التفاوض أو التعامل بمرونة أكبر مع الشروط الإيرانية، إذا كان ذلك هو الثمن المطلوب لوقف النزيف وضمان استقرار الممرات الحيوية للطاقة. وهذا لا يعني أن مثل هذا التحول أصبح محسوماً، لكنه يظل احتمالاً وارداً كلما تراجعت الأهداف الأمريكية تحت ضغط الوقائع، وكلما اتسع شعور واشنطن بأن كلفة المواجهة المفتوحة تجاوزت عائدها المتوقع.
وهكذا، فإن ما يجري اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد جولة عسكرية عابرة، بل بوصفه لحظة إعادة رسم فعلية لموازين الردع وأهداف الحرب. دخلت واشنطن وتل أبيب المعركة بأحلام كبيرة عنوانها إعادة تشكيل إيران، لكنهما وجدتا نفسيهما في نهاية المطاف أمام هدف أكثر تواضعاً: حماية مضيق هرمز وضمان مرور السفن. وفي المقابل، بدت إيران وكأنها لا تكتفي بالصمود، بل تحوّل الجغرافيا والطاقة والتحالفات والانقسام الغربي إلى أدوات ضغط فاعلة تمنحها موقعاً تفاوضياً أقوى. وبين السقف الأمريكي المرتفع في بداية الحرب، والسقف المنخفض الذي انتهت إليه أولوياتها، تتضح حقيقة أساسية: حين تفشل القوة في فرض شروطها، تصبح أوراق الصبر والصمود وحسن توظيف الجغرافيا أقدر على إعادة كتابة المعادلة.
وهكذا، لا تبدو الخسارة الأمريكية ـ الإسرائيلية مقتصرة على تعثر الأهداف العسكرية المباشرة، بل تتجاوز ذلك إلى اهتزاز المشروع السياسي والاستراتيجي الذي سعت تل أبيب إلى تسويقه تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد”. فهذا الشرق الأوسط الذي أراد بنيامين نتنياهو رسم ملامحه على مقاس الهيمنة الإسرائيلية، والممهور بأوهام “إسرائيل الكبرى” وإعادة تشكيل خرائط النفوذ والولاءات، اصطدم بعقبة إيرانية صلبة أفشلت الاندفاع اليه، وكسّرت على صخرة الصمود كثيراً من أحلام البيت الأبيض والكنيست معاً.
فحين تعجز الحرب عن إسقاط إيران أو كسر إرادتها أو تجريدها من أوراقها الإقليمية، وحين تنقلب الأهداف من إعادة رسم المنطقة إلى مجرد البحث عن ممر آمن لناقلات النفط، فإن ذلك يعني أن المشروع الأكبر نفسه تلقى ضربة قاسية. بل يمكن القول إن فكرة “الشرق الأوسط الجديد” بصيغتها التي حلمت بها تل أبيب وراهن عليها داعموها في واشنطن، لم تتعثر فقط، بل دخلت طور الانكسار، وقد تختفي لسنوات طويلة، وربما لأجيال، ما دامت العقبة الإيرانية قائمة، وما دام الإقليم يثبت مرة بعد أخرى أن خرائطه لا تُرسم بالأمنيات ولا بالدعاية ولا بالقوة المجردة وحدها،وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية الحالية وما ستخلفه الحرب من نتائج غالبا ما ستكون عكسية وسيظهر لاعبون جدد على الساحة الاقليمية ومن غير المستبعد ظهور تحالفات جديدة قد تبنى على العقيدة لتتماشى مع رغبة الشعوب الاسلامية ومن هذا المنطلق قد تكون باكستان قائدة مستقبلية لتحالف الاسلامي يضم دول الخليج وايران .

مشاركة