الرئيسية آراء وأقلام حرب الخليج وغلاء الأضاحي… عندما يتحول التبرير إلى ذريعة.

حرب الخليج وغلاء الأضاحي… عندما يتحول التبرير إلى ذريعة.

500 1
كتبه كتب في 8 مارس، 2026 - 12:22 صباحًا

بقلم: عبد السلام اسريفي

مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، يتجدد الجدل نفسه حول أسعار الأضاحي، وتعود معه مبررات مختلفة يقدمها بعض الوسطاء في سوق الماشية، المعروفين شعبياً بـ“الفراقشية”. غير أن ما يثير الاستغراب هذه المرة هو ربط احتمال غلاء الأضاحي بما يجري من توتر وحرب في منطقة الخليج، وهو تفسير بدا للكثير من المغاربة بعيداً عن المنطق والواقع.
فالعلاقة بين حرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات وبين أسعار الأضاحي في الأسواق المغربية تبدو، في نظر عدد كبير من المتابعين، علاقة ضعيفة إن لم نقل منعدمة. صحيح أن الحروب قد تؤثر أحياناً على أسعار الطاقة والنقل، لكن اختزال كل أسباب الغلاء في هذه الحجة يطرح أكثر من علامة استفهام، خصوصاً في ظل معطيات أخرى يعرفها القطاع الفلاحي هذه السنة.
فالمغرب شهد خلال الموسم الحالي تساقطات مطرية مهمة مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما ساهم في تحسن وضعية المراعي وتوفر الكلأ الطبيعي للماشية. هذا العامل، من الناحية الاقتصادية، يفترض أن يخفف الضغط على الكسابة والفلاحين، لأنهم لن يضطروا إلى شراء كميات كبيرة من الأعلاف الصناعية كما كان يحدث في سنوات الجفاف. وبالتالي فإن المنطق يقول إن تكاليف تربية الماشية ينبغي أن تكون أقل نسبياً، وليس العكس.
لكن الإشكال الحقيقي الذي يثير غضب المستهلكين لا يتعلق فقط بعوامل المناخ أو تكاليف الإنتاج، بل بدور الوسطاء والمضاربين في الأسواق. فـ“الفراقشية” أصبحوا، في نظر كثيرين، الحلقة الأكثر إثارة للجدل داخل سلسلة تسويق الماشية، بسبب قدرتهم على التحكم في العرض والطلب ورفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، خاصة في الفترات التي يرتفع فيها الطلب مثل عيد الأضحى.
وقد شهدت السنوات الماضية انتقادات واسعة لهذه الممارسات، خصوصاً بعد الدعم الذي قدمته الدولة للقطاع الفلاحي في فترات الجفاف بهدف حماية القطيع الوطني ومساعدة الكسابة على تجاوز الأزمة. غير أن كثيراً من المواطنين رأوا أن ذلك الدعم لم ينعكس بشكل واضح على الأسعار، التي ظلت مرتفعة بشكل اعتبره البعض “خيالياً”.
من هنا، يبدو أن ربط غلاء الأضاحي بحرب الخليج قد لا يكون سوى محاولة لتبرير ارتفاع محتمل في الأسعار أو لتهيئة الرأي العام لتقبل موجة جديدة من الغلاء. وهذا ما يدفع العديد من الأصوات إلى المطالبة بضرورة تشديد المراقبة على الأسواق وتنظيم قطاع بيع المواشي، حتى لا يتحول عيد الأضحى إلى موسم للمضاربة بدل أن يكون مناسبة دينية واجتماعية قائمة على التكافل والاعتدال.
فالمواطن المغربي اليوم يعيش ضغوطاً اقتصادية متعددة، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تراجع القدرة الشرائية، وبالتالي فإن أي زيادة غير مبررة في أسعار الأضاحي ستزيد من تعقيد وضع الأسر، خاصة محدودة الدخل.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فقط تفسيراً واضحاً لأسعار الأضاحي، بل أيضاً إجراءات عملية تضمن الشفافية داخل الأسواق، وتحمي المستهلك من المضاربة، وتدعم في الوقت نفسه الفلاح الحقيقي الذي يتحمل عبء تربية الماشية. فتنظيم هذا القطاع أصبح ضرورة ملحة، حتى لا تتكرر كل سنة نفس الأعذار ونفس الجدل، بينما يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في المعادلة.

مشاركة