صوت العدالة- هيئة التحرير
في عددها الصادر يوم الجمعة 28 غشت 1891، خصصت صحيفة Le Petit Journal الفرنسية غلافًا مصورًا لمشهد دبلوماسي لافت بعنوان: “السفير الفرنسي في فاس”. لوحة تختزل لحظة رمزية من تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، حيث يظهر مبعوث باريس منحنياً باحترام أمام السلطان المغربي داخل قصر تزين جدرانه الزليج الفاسي الأصيل.
المشهد، الذي يعكس طقوس البروتوكول المخزني في أواخر القرن التاسع عشر، يجسد توازنًا دقيقًا بين هيبة السلطان ورغبة القوى الأوروبية في توطيد نفوذها داخل المملكة الشريفة. ففي تلك الفترة، كان المغرب يعيش على وقع تحولات سياسية وضغوط خارجية متزايدة، في ظل التنافس الاستعماري المحتدم بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا.
السلطان، بلباسه التقليدي الأبيض وجلسة الوقار فوق أريكة مزخرفة، يبدو ممسكًا بزمام السلطة والرمزية، بينما ينحني السفير الفرنسي في حركة تحمل دلالات الاحترام، وربما أيضًا رسائل سياسية تتجاوز حدود المجاملة. إنها لحظة تختصر مسارًا طويلًا من المفاوضات والاتفاقيات التي ستفضي بعد سنوات قليلة إلى فرض الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912.
وتكشف هذه الصورة، التي نُشرت في واحدة من أوسع الصحف انتشارًا بفرنسا آنذاك، كيف كانت وسائل الإعلام الأوروبية تسوّق للعلاقات مع المغرب، مقدمة إياها في قالب حضاري ودبلوماسي، بينما كانت الحسابات الجيوسياسية ترسم ملامح مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة.
هكذا، لا تُعدّ اللوحة مجرد توثيق فني لزيارة رسمية، بل شهادة بصرية على زمن كانت فيه فاس قلب القرار المغربي، وكانت القوى الكبرى تطرق أبوابها بانحناءة ظاهرها احترام… وباطنها طموح لا يهدأ.

