عزيز بنحريمبدة
في القضايا الجنائية، يُقال إن الاعتراف سيد الأدلة، غير أن هذه القاعدة لا تعمل في فراغ، ولا يمكن أن تصمد أمام أدلة مادية وتقنية تناقضها بشكل صريح. وتزداد هذه الإشكالية وضوحاً عند إسقاطها على ما بات يُعرف إعلامياً بملف “ولد الفشوش”، المرتبط بجريمة مقتل الشاب بدر، والذي تحوّل إلى نموذج حي للصراع بين الاعتراف التمهيدي وبين الخبرة التقنية وشهادة الشهود وكاميرات المراقبة.
فخلال المرحلة التمهيدية من البحث، أثار دفاع الضحية بدر أن المتهم الرئيسي أدلى باعترافات أولية، وهو ما اعتُبر حينها عنصراً مركزياً في توجيه مسار الملف. غير أن هذه الاعترافات نفسها تم التراجع عنها لاحقاً أمام هيئة المحكمة في المرحلة الابتدائية، الأمر الذي أعاد طرح السؤال حول قيمتها القانونية، خاصة في ظل بروز معطيات أخرى مغايرة.
اللافت في هذه النازلة أن المحكمة الابتدائية – وفق ما تم تداوله – استبعدت شهادة الشهود، كما لم تمنح الخبرات التقنية وتسجيلات كاميرات المراقبة الوزن الكافي في بناء قناعتها، رغم كونها معطيات موضوعية يفترض أن تشكل عناصر حاسمة في تمحيص الوقائع. وهو ما فتح الباب أمام نقاش قانوني واسع حول مدى إمكانية تغليب اعتراف تمهيدي متراجع عنه على أدلة مادية وعلمية.
اليوم، وفي مرحلة الاستئناف، يتمسك دفاع المتهم أشرف بهذه المعطيات التقنية والقرائن المادية وشهادات الشهود، باعتبارها – حسب طرحه – تثبت عكس ما ورد في الاعترافات التمهيدية، وتدعم بل و تؤكد عدم مشاركته في الفعل الجرمي، بل وانسحابه من مسرح الأحداث دقائق قبل وقوع الاعتداء المميت الذي أودى بحياة بدر.
من الناحية القانونية، فإن الاعتراف التمهيدي يظل مجرد عنصر من عناصر الإثبات يخضع لسلطة المحكمة التقديرية، ولا يكتسب حجية مطلقة، خاصة إذا تم التراجع عنه، أو إذا تعارض مع أدلة موضوعية أخرى. والاجتهاد القضائي مستقر على أن الاعتراف لا يكون سيداً إلا إذا كان منسجماً مع باقي عناصر الملف، ومؤيداً بقرائن مادية ثابتة.
في المقابل، فإن الخبرات التقنية وتسجيلات كاميرات المراقبة وشهادات الشهود، متى كانت متطابقة ومتناسقة، تكتسب قوة إثباتية أقوى خاصة لأنها تقوم على معطيات قابلة للتحقق والمراجعة، وليست مجرد تصريحات قابلة للتأويل أو التراجع. وهنا يصبح السؤال الحقيقي أمام قضاء الاستئناف: أي الأدلة أقدر على تحقيق اليقين القضائي؟
عبء الإثبات، في هذه المرحلة، يبقى على عاتق جهة الاتهام لإثبات التهمة بشكل يقيني، وليس على المتهم لإثبات براءته، ما دام الأصل هو قرينة البراءة. وإذا كانت الأدلة التقنية والشهادات تشير إلى عدم تورط أشرف في الاعتداء القاتل، فإن تجاهلها يطرح إشكالاً قانونياً عميقاً يتعلق بسلامة بناء القناعة القضائية.
إن معركة الاستئناف في هذا الملف لم تعد تدور فقط حول اعتراف تمهيدي أو تراجع عنه، بل حول فلسفة الإثبات الجنائي برمتها: هل يُبنى الحكم على أقوال سابقة متغيرة، أم على أدلة علمية ومادية ثابتة؟ وهل يمكن إدانة شخص رغم وجود معطيات تقنية وشهادات ترجّح و تؤكد عدم مشاركته؟
الرهان اليوم أمام قضاء الدرجة الثانية هو إعادة ترتيب عناصر الإثبات وفق منطق القانون لا ضغط الانطباعات، والبحث عن الحقيقة المادية بعيداً عن أي تأثير إعلامي أو اجتماعي. فإذا ثبت أن المعطيات التقنية وشهادات الشهود وكاميرات المراقبة تناقض الاعتراف التمهيدي، فإن ميزان العدالة يقتضي ترجيحها، لأن الإدانة في المادة الجنائية لا تُبنى على الشك أو الاحتمال، بل على اليقين.
وفي هذا السياق، يتمسك دفاع أشرف بأن هذه القرائن والمعطيات لا تكتفي بإثارة الشك، بل تذهب – حسب طرحه – إلى حد إثبات عكس ما نسب إليه، بما يفتح الباب قانوناً أمام إعادة تقييم مسؤوليته الجنائية، و إقرار براءته من دم بدر بعدما ثبت أنه لم يشارك في الاعتداء المميت لا فعلاً ولا مساهمة حسب ما وثقته كاميرا المراقبة . وهنا فقط تتحقق الغاية الأسمى للعدالة: حماية حق الضحية في معرفة الحقيقة كاملة، وحماية المتهم من إدانة لا يسندها دليل يقيني

