الرئيسية غير مصنف كيف وجد الشاب أشرف نفسه في قلب جناية لم يثبت أنه إقترفها أو شارك فيها؟

كيف وجد الشاب أشرف نفسه في قلب جناية لم يثبت أنه إقترفها أو شارك فيها؟

IMG 5322
كتبه كتب في 15 فبراير، 2026 - 3:06 مساءً

بقلم عزيز بنحريميدة

أعاد ملف الشاب أشرف، المعروف إعلامياً بملف “ولد الفشوش”، طرح إشكال قانوني دقيق يتعلق بحدود المشاركة الجنائية، وكيف يمكن أن يتحول الحضور في مسرح نزاع مفاجئ إلى أساس لمتابعة ثقيلة انتهت حكماً ابتدائياً بالإعدام، رغم وجود معطيات وقرائن وثقتها كاميرات المراقبة تقول هيئة الدفاع إنها تشير إلى انسحابه من الأحداث قبل وقوع الفعل المميت وعدم مشاركته فيه.

القضية، كما يتم تداولها في الأوساط القانونية والإعلامية، انطلقت من نزاع مفاجئ بين مجموعة من الشباب، تطور في لحظات إلى أحداث خطيرة انتهت بوفاة الضحية بدر بعد ضربة قاتلة تلتها واقعة دهس. في خضم هذا التسلسل السريع، برز اسم أشرف ضمن الحاضرين في بداية الشجار، قبل أن تتجه أصابع الاتهام نحوه إعلامياً منذ الساعات الأولى، ويُقدَّم لاحقاً أمام القضاء باعتباره أبرز المتورطين في الجريمة، في مسار انتهى بحكم ابتدائي قاسٍ أثار نقاشاً واسعاً حول مدى توافر أركان المشاركة الجنائية في حقه.

المعطياات الظاهرة في الشريط، والتي أصبحت محل تداول واسع، تشير إلى أن دور أشرف اقتصر على اشتباك بالأيدي في بداية النزاع مع أحد أقارب الضحية، وهو احتكاك اعتبره متتبعون جزءاً من شجار لحظي منفصل عن واقعة الضرب المفضي الى الموت وعملية الدهس التي وقعت لاحقاً. كما تؤكد هذه المعطيات المتبثة بالشريط أنه انسحب من مكان الأحداث قبل لحظات من وقوع الفعل المميت بعد تدخل بعض الحاضرين لفض النزاع، ولم يكن متواجداً داخل السيارة أثناء عملية الدهس التي تسببت في الوفاة.

هذه الوقائع التابثة المعروضة اليوم أمام القضاء، تطرح سؤالاً قانونياً جوهرياً: هل يكفي وجود شخص في بداية نزاع لاعتباره مشاركاً في جناية وقعت لاحقاً؟ أم أن القانون الجنائي يشترط وجود فعل مادي مباشر أو مساعدة أو تحريض، إضافة إلى قصد جنائي ثابت، حتى تقوم المشاركة؟

القانون الجنائي المغربي يضع إطاراً واضحاً للمشاركة، إذ لا تقوم إلا بتوافر فعل إيجابي يتمثل في المساعدة أو التحريض أو التسهيل، إلى جانب القصد الجنائي القائم على العلم بطبيعة الجريمة والرغبة في وقوعها. لذلك فإن مجرد التواجد في مسرح النزاع أو الاشتباك الأولي لا يكفي قانوناً لإثبات المشاركة ما لم يثبت أن صاحبه استمر في التدخل أو ساهم في الفعل الذي أدى إلى النتيجة المميتة.

في هذا السياق، يميز الاجتهاد القضائي المغربي، وخاصة قرارات محكمة النقض، بين الحضور كقرينة والمشاركة كدليل، مؤكداً أن التواجد في مكان الجريمة قد يثير الشبهة لكنه لا يشكل في حد ذاته أساساً كافياً للإدانة ما لم يقترن بسلوك إيجابي يدل على المساندة أو التشجيع أو التدخل أثناء التنفيذ. كما يقر القضاء بأن الانسحاب من مسرح الأحداث قبل وقوع الفعل الجرمي يقطع العلاقة السببية بين الشخص والنتيجة التي ترتبت لاحقاً، ويجعل مساءلته عن تلك النتيجة أمراً محل نظر دقيق.

في ملف أشرف، يرى متتبعون أن ما وقع إعلامياً منذ البداية ساهم في تشكيل صورة مسبقة عن المتهم، حيث تم ربط اسمه بالجريمة قبل اتضاح تسلسل الأحداث بشكل كامل، وهو ما انعكس على الرأي العام وألقى بظلاله على مسار القضية. هذا التداخل بين الضغط الإعلامي وسير العدالة يطرح بدوره إشكالاً حول حدود التأثير الخارجي في الملفات الجنائية، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم خطيرة تستوجب أعلى درجات التثبت والحياد.

الحكم الابتدائي بالإعدام، في ظل هذه المعطيات المتداولة، فتح باب النقاش حول مدى اعتماد المحكمة على قرائن الحضور والعلاقة بالأطراف أكثر من اعتمادها على أدلة المساهمة الفعلية، وهو نقاش يبقى في نهاية المطاف من اختصاص محكمة الاستئناف التي تملك صلاحية إعادة فحص الوقائع وتقييم الأدلة وتحديد ما إذا كانت أركان المشاركة قائمة فعلاً أم لا.
و في سياق القضايا الجنائية المرتبطة بتكييف “المشاركة في الجريمة”، يبرز اجتهاد محكمة النقض المغربية كمرجع حاسم يضع حدوداً دقيقة للمسؤولية الجنائية ويمنع التوسع في تأويلها على حساب قرينة البراءة. فقد كرّس القرار الجنائي عدد 513 الصادر بتاريخ 7 أبريل 1965، والمتعلق بجريمة الضرب والجرح المفضيين إلى الموت، قاعدة قانونية مفصلية مفادها أن المشاركة بالإعانة أو المؤازرة لا تقوم إلا على أفعال سابقة أو معاصرة لارتكاب الجريمة، أما التصرفات اللاحقة فلا يمكن اعتمادها قانوناً لإثبات عنصر المشاركة. واعتبرت محكمة النقض في هذا القرار أن اعتماد المحكمة على وقائع حدثت بعد تنفيذ الفعل الإجرامي لإدانة المتهم يشكل قصوراً في التعليل وخرقاً لقواعد الإثبات الجنائي، مما استوجب نقض الحكم. هذا التوجه القضائي لا يحدد فقط الإطار الزمني للمشاركة، بل يقطع مع كل محاولة لإلصاق التهمة استناداً إلى مواقف أو سلوكات لاحقة لا ترقى إلى مستوى المساهمة الفعلية في الجريمة.

ويعزز هذا القرار اتجاهاً قضائياً مستقراً مفاده أن المشاركة لا تُفترض ولا تُستنتج من مجرد الحضور في مسرح الجريمة أو من طبيعة العلاقة بين الأطراف، بل تقتضي إثبات فعل إيجابي محدد يتمثل في المساعدة أو التحريض أو التسهيل، مع ضرورة بيان الدور الفردي لكل متهم على حدة. فالمسؤولية الجنائية، وفق ما استقر عليه قضاء النقض، مسؤولية شخصية لا تقبل التعميم ولا الإدانة الجماعية المبنية على قرائن عامة أو انطباعات، بل تستوجب تحديد مساهمة كل شخص بدقة وربطها بالفعل الجرمي زمنياً ومادياً. ومن ثم، فإن أي حكم بالإدانة يغفل هذا التحديد أو يكتفي بربط المتهم بوقائع لاحقة للجريمة أو بمجرد تواجده في محيطها، يظل معرضاً للنقض بسبب قصور التعليل وخرق مبدأ شخصية العقوبة، وهو ما يفسر إسقاط العديد من تكييفات “المشاركة” أمام محكمتي الاستئناف والنقض حين لا يستند الاتهام إلى تدخل فعلي سابق أو معاصر للفعل الجرمي

فالعدالة الجنائية لا تبنى على الانطباع ولا على القرب من الأحداث، بل على الدليل الذي يربط المتهم بالفعل الجرمي ربطاً مباشراً لا يحتمل التأويل. وفي القضايا الناتجة عن نزاعات مفاجئة، يصبح التمييز بين من كان طرفاً في الشجار ومن ساهم فعلياً في الجريمة مسألة حاسمة، لأن المسؤولية الجنائية شخصية، ولا تمتد إلى غير الفاعل إلا إذا ثبتت المساهمة بدليل واضح وقاطع.

اليوم، وبين حكم قضائي صدر ابتدائياً ومعطيات تؤكد هيئة الدفاع إنها ستعيد رسم تسلسل الأحداث، يبقى الأمل معقوداً على أن تأخذ القضية مسارها الطبيعي في مرحلة الاستئناف، حيث يُعاد تمحيص الوقائع بعيداً عن أي ضغط أو انطباع مسبق. فحين تكتمل صورة العدالة، لا تنتصر لشخص بعينه، بل تنتصر للحقيقة وحدها، وتضع كل فعل في موضعه القانوني الصحيح، دون توسع في الاتهام ولا تضييق على البراءة.
وفي هذا السياق، يبقى من الضروري التنبيه إلى أن كل من يشكك في هذه المعطيات أو فيما خلص إليه المقال، عليه أن يعود لمشاهدة الشريط بتمعّن وتدقيق، لأن الأمر لا يتعلق بتفاصيل عابرة أو قراءات انطباعية، بل بمصير إنسان قد يكون بريئاً، وهو مصير يفرض على الجميع—قبل إطلاق الأحكام أو تبني الروايات الجاهزة—أقصى درجات التأكد والتحقق والتدقيق، إذ لا عدالة حقيقية دون فحص هادئ ومسؤول للوقائع كما هي، بعيداً عن التسرع أو ضغط التأويل.

مصداقا لقوله تعالى فيحديث قدسي رواه النبي ﷺ عن ربّه عز وجل، يقول فيه:

«يا عبادي، إني حرّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا فلا تظالموا…

مشاركة