الرئيسية أخبار القضاء مهنة المحاماة في المغرب: ضمانة للعدالة في مواجهة التجاذبات السياسية والإدارية

مهنة المحاماة في المغرب: ضمانة للعدالة في مواجهة التجاذبات السياسية والإدارية

IMG 20260210 WA0079
كتبه كتب في 10 فبراير، 2026 - 7:03 مساءً

الأستاذة جميلة السيوري: محامية وناشطة حقوقية

يشهد المغرب اليوم نقاشا متقدما حول مشروع قانون مهنة المحاماة، نقاش لا يمكن اختزاله في مجرد تعديل قانوني أو تنظيم إداري، بل هو اختبار حقيقي لتوازن منظومة العدالة، واستقلالية مكوناتها، وقدرتها على حماية الحقوق الأساسية للمواطنين والمواطنات.

إن ما يثير القلق اليوم ليس فقط محتوى القانون، بل طريقة إدارة النقاش، التي تكاد تتحول إلى صراع أفقي بين المحامين والمحاميات وكتابة الضبط، في ظل تغييب النقاش الحقيقي حول مسؤولية السلطة التنفيذية، وبالتحديد وزارة العدل، في ضمان استقلال القضاء وحماية حقوق المتقاضين والمتقاضيات .

أولا: مهنة المحاماة وضمانات الدولة الدستورية

المحاماة ليست مهنة إدارية، ولا وظيفة تنفيذية، بل وظيفة قضائية مستقلة، تمثل ضمانة أساسية لحق التقاضي وحق الدفاع .

وقد رسخ الدستور المغربي لسنة 2011 هذا الموقع بشكل واضح:

✓ الفصل 118 يضمن حق التقاضي لكل شخص، وهو لا يتحقق إلا إذا توفرت مهنة دفاع مستقلة وحرّة.

✓ الفصل 107 يؤكد استقلال السلطة القضائية، واستقلال القضاء لا يكتمل إلا بتكامل أدواره مع المهن القضائية الأخرى، وعلى رأسها المحاماة.

✓ الفصل 12 يعترف بالدور الدستوري للهيئات المهنية، بما في ذلك المحامون، في الدفاع عن الحقوق والمصالح المشروعة.
وبذلك، فإن أي محاولة لإضعاف المحاماة أو اختزال دورها في تحضير الملفات والمرافعات الشكلية، تهدد جوهر العدالة نفسها، وتضع المتقاضين والمتقاضيات في موقف حرمان من حقوقهم –هن الأساسية.

ثانيا: المعايير الدولية واستقلال المحاماة

تؤكد المنظومة الدولية لحقوق الإنسان أن مهنة المحاماة ركيزة أساسية لضمان المحاكمة العادلة وأن أي قانون وطني يجب أن يفسر ويطبق وفق هذه المعايير، مع الحفاظ على استقلالية المحاماة وعدم إضعافها، وهذا ما نجد سندا له في:

✓ المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين) 1990( تشدد على استقلال المحامين، وحمايتهم من أي ضغط أو تدخل، وتمكينهم من أداء مهامهم دون تضييق أو ترهيب.

✓ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – المادة 14 يضمن حق كل شخص في الدفاع عن نفسه بواسطة محام يختاره بحرية، وهو التزام دولي ملزم للمغرب.

✓ المبادئ الإقليمية الأوروبية والإفريقية تؤكد أيضًا أن المحاماة مهنة قضائية مستقلة، وليست مجرد جهاز إداري تابع للمحاكم.

ثالثا : اختلال النقاش وتحويله إلى صراع أفقي داخل المرفق القضائي

الأخطر في النقاش الحالي هو تحويله من نقاش حقوقي ودستوري إلى صراع داخلي بين مكونات المرفق القضائي، خصوصًا بين المحامين وكتابة الضبط، في ظل تغييب المسؤولية السياسية للوزارة.

فكتابة الضبط، رغم الدور الحيوي الذي تقوم به في السير العادي للمحاكم، تظل جهازا إداريا-قضائيا مساعدا، خاضعا للسلطة التنفيذية، ولا يمكن مقارنتها بدور المحاماة الذي يقوم على الاستقلال والتمثيل القانوني للمتقاضين.

وبالتالي فان أي محاولة لإعادة هندسة دور المحاماة على غرار مهام كتابة الضبط، أو الإيحاء بإمكان تعويض الدفاع بالإجراءات الإدارية، تمس التوازن البنيوي لمنظومة العدالة، وتضعف ثقة المواطنين في القضاء.

رابعا: صمت الجمعيات المهنية للقضاة وعدم تعاطيها مع معركة المحامين

يبقى من أبرز مظاهر القلق الصمت الملاحظ للجمعيات المهنية للقضاة، رغم أن المحامين ظلوا تاريخيا في الصفوف الأمامية للدفاع عن استقلال السلطة القضائية، وعن حقوق المتقاضين، وعن تحسين الأوضاع المرتبطة بالنظام الأساسي للقضاة وموظفي المحاكم.

هذا الصمت، سواء كان اختيارا أو نتيجة للتردد، يفتح فجوة كبيرة في منظومة العدالة، ويخلق إحساسا بالتخلي عن مسؤوليات مهنية وأخلاقية أساسية، لأن التعاطي الإيجابي لهذه الجمعيات مع احتجاجات المحامين ليس خيارا فئويا، بل هو في صميم حماية توازن العدالة واستقلالها، وبالتالي فان الصمت في هذا السياق يصبح مشاركة ضمنية في إضعاف إحدى ركائز العدالة، ويخاطر بتحويل الإصلاح إلى صراع داخلي ينخر الثقة بين مكونات المرفق القضائي، ويضعف ثقة المواطنين والمواطنا ت في القضاء نفسه.

خامسا: تحريض غير مسؤول وتصريحات الوزير

تصريحات وزير العدل الأخيرة، التي لم تكتفِ بتوجيه انتقادات سطحية، بل تحولت إلى تحريض مباشر للمتقاضين والمتقاضيات ضد المحامين، تمثل انتهاكا لمبدأ حياد السلطة التنفيذية تجاه مكونات العدالة، وتجاوزا صارخا لمسؤولياته السياسية والدستورية، فمثل هذا الخطاب لا يساهم في الإصلاح، بل يزرع الفتنة بين المحامين والمتقاضين، ويضعف الثقة المتبادلة التي تعتبر حجر الزاوية لأي نظام قضائي مستقل، كما يقوض الجهد التاريخي للمحامين والمحاميات في الدفاع عن استقلال القضاء وحقوق المواطنين.

سادسا: فريق الوزير من القضاة مساس باستقلالية التشريع

يزيد من خطورة الوضع أن فريق الوزير من المستشارين يتكون في جزء كبير منه من قضاة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول استقلالية التشريع في مهنة المحاماة. لان وجود قضاة داخل دائرة إعداد القانون الذي ينظم مهنة المحاماة، بينما هم جزء من السلطة القضائية، يخلق تضاربا محتملاً في المصالح، ويعطي الانطباع أن التشريع يصاغ على مقاس سلطة معينة وليس وفق حوار حقوقي ودستوري يضمن استقلال المهنة وحماية المتقاضين والمتقاضيات.

سابعا: الخلاصة

إصلاح العدالة لا يمكن أن يقوم على إضعاف المحاماة، أو تحويلها إلى فاعل تقني هش، أو خلق صراعات داخلية بينها وبين مكونات المرفق القضائي، أو تحريض المتقاضين والمتقاضيات ضد المحامين والمحاميات، أو صياغة القانون وفق مصالح سلطوية ضيقة.

إن المحاماة ليست عبئا على العدالة، بل شرط لقيامها. وأي تشريع يفرغها من مضمونها الحقوقي أو يخضعها لمقاييس الإدارة ،إنما يهدد توازن العدالة وحقوق المتقاضين والمتقاضيات، ويضع المغرب في تعارض مع التزاماته الدستورية والدولية.

إن الدفاع عن المحاماة اليوم هو دفاع عن الحق في المحاكمة العادلة، وعن دولة القانون، وعن ثقة المواطنين والمواطنات في العدالة، وليس مجرد خلاف مهني أو تنظيمي.

مشاركة