بقلم الناقد: محمد رحيمي
حين تحتفي الثقافة المغربية بأصواتها الأصيلة في سياق ثقافي يتسم بتسارع الإيقاع وهيمنة العابر، يكتسي تكريم المثقف والكاتب والإعلامي سعيد الهياق دلالة خاصة، باعتباره فعل اعتراف بقيمة الكلمة الجادة وبمسار إبداعي ظل وفيّا لرهانات الثقافة والوعي والمسؤولية. ويأتي هذا التكريم ضمن فعاليات الملتقى الوطني والدولي لفنون الأركت في دورته الرابعة تحت شعار: ” أوراش التربية الفنية دعامة من دعائم التنمية “الذي نظمته الجمعية المغربية لفنون الأركت في شخص مديرها الفنان التشكيلي محمد المهنديز، وفي شخص المدير الإداري الأستاذ محمد ادليزة؛ والذي أشرف السيد محمد شكرون باشا مدينة أولاد تايمة على فعاليات افتتاحه مساء يوم السبت 07 فبراير 2026 بالمركب الثقافي أولاد تايمة.
ليؤكد هذا التكريم أن الثقافة لا تنسى أبناءها الذين اشتغلوا في صمت. وراكموا تجربة إنسانية وإبداعية تستحق الوقوف عندها، اعترافا بمساره الثقافي والإبداعي والإعلامي، وبعطائه المتواصل في خدمة الكلمة الجادة وقضايا الثقافة والمجتمع.
لقد شكل الأديب سعيد الهياق، على امتداد مساره، نموذجا للمثقف العضوي الذي جعل من الكتابة موقفًا ومن الإعلام رسالة. شاعرٌ لم تكن القصيدة لديه ترفا لغويا، بل أفقًا للتأمل ومساءلة الواقع، وكاتبٌ انحاز في مقالاته إلى هموم المجتمع وقضايا الإنسان، وإعلامي آمن بأن الكلمة ليست خبرًا عابرًا، بل فعل وعي وبناء بجرأته المسؤولة في التعبير، وبحرصه الدائم على ربط الإبداع بالقيم الإنسانية والوطنية، إيمانا منه بأن المثقف فاعل أساسي في ترسيخ الوعي الجماعي والدفاع عن قضايا الإنسان، كما بصم حضوره في عدد من الندوات واللقاءات الثقافية داخل المغرب وخارجه، حاملا صورة المثقف المغربي المنفتح والملتزم.
تميّزت تجربة الهياق بجرأة مسؤولة، وبحرص دائم على أن تكون الكتابة جسرًا للحوار لا أداة للإقصاء، ومساحة للتنوير لا وسيلة للتضليل، فتنوعت اشتغالاته بين الشعر والمقالة والتحليل الثقافي، وجاءت أعماله مشبعة بروح وطنية وإنسانية، تعكس عمق الانتماء وصدق الالتزام، وتكشف عن مثقفٍ ينفتح على أسئلة العصر دون التفريط في ثوابته الثقافية والإنسانية.
ولم يكن حضوره مقتصرًا على الإنتاج الكتابي، بل ظل فاعلًا في المشهد الثقافي من خلال مشاركته في الندوات والملتقيات داخل المغرب وخارجه، حيث حمل صورة المثقف المغربي الحر، المنخرط في قضايا وطنه، والمنفتح على الحوار الحضاري وقيم الاختلاف. وقد تُوِّج هذا المسار بتتويجه شخصية ثقافية لسنة 2015 بإقليم تارودانت، إلى جانب عدة شهادات تقدير وجوائز اعترافًا بعطائه المتواصل.
إن تكريم سعيد الهياق في هذا الملتقى لا يُقرأ بوصفه احتفاءً بشخصه فقط، بل باعتباره احتفاءً بالكلمة الجادة، وبالثقافة التي تراهن على الإنسان، وبالمثقف الذي اختار أن يظل وفيًّا لدوره التنويري في زمن الالتباس. وهو تكريم يبعث برسالة واضحة مفادها أن الإبداع الحقيقي لا يضيع، وأن الذاكرة الثقافية قادرة على إنصاف من خدموها بإخلاص.
هكذا يتحول هذا التكريم إلى لحظة رمزية دالة، تُجدِّد الثقة في الثقافة المغربية، وتؤكد أن الاعتراف بالمبدعين هو في جوهره اعتراف بقيمة الثقافة نفسها، وبقدرتها على مقاومة النسيان، وصناعة المعنى، وترسيخ الأمل.
ويأتي هذا التكريم تتويجًا لمسار حافل تميّز بالتنوع والالتزام، حيث راكم المحتفى به تجربة وازنة في مجالات الشعر والمقالة والتحليل الثقافي والإعلامي، جعل فيها من الكلمة أداة وعي وبناء، ومن الثقافة فضاء للحوار والانفتاح، بعيدًا عن منطق الاستهلاك والسطحية، إن هذا التكريم لا يندرج فقط في إطار الاحتفاء بشخص سعيد الهياق، بل يأتي تأكيدًا على أهمية رد الاعتبار للكلمة الجادة، وتشجيع مسارات الإبداع المسؤول، وترسيخ ثقافة الاعتراف بالمبدعين الذين أسهموا في إغناء المشهد الثقافي الوطني.
الأستاذ الباحث محمد رحيمي؛ أديب وناقد ورئيس جمعية مدارج القراءة و الفن.

