الرئيسية غير مصنف التهجير أم الإجلاء؟ حين تُستغل الكوارث لتمرير المغالطات وتبخيس مجهودات حماية الأرواح

التهجير أم الإجلاء؟ حين تُستغل الكوارث لتمرير المغالطات وتبخيس مجهودات حماية الأرواح

IMG 2983
كتبه كتب في 9 فبراير، 2026 - 4:05 صباحًا

بقلم عزيز بنحريميدة

في خضم ما تعيشه مدينة القصر الكبير ونواحيها من وضعية استثنائية بفعل ارتفاع منسوب المياه، خاصة بعد بلوغ نسبة ملء السد مستويات مقلقة، برزت إلى الواجهة مصطلحات ملتبسة تُستعمل بوعي أو بدونه، وعلى رأسها كلمتا “التهجير” و“الإجلاء”. وبين المفهومين فرق جوهري، قانوناً وواقعاً وإنسانياً، لا يجوز القفز عليه أو توظيفه لتأجيج الرأي العام أو تبخيس مجهودات حماية الأرواح.

الإجلاء إجراء وقائي تتخذه السلطات لحماية السكان من خطر وشيك، هدفه الأساسي إنقاذ الأرواح قبل وقوع الكارثة، ويُعتمد في مختلف دول العالم عند الفيضانات والحرائق والزلازل وغيرها من الأزمات الطبيعية. أما التهجير، فيحمل حمولة قانونية وسياسية مختلفة، ويرتبط غالباً بالإكراه أو التغيير القسري للتركيبة السكانية أو انتزاع المواطنين من مناطقهم دون مبرر مشروع. الخلط بين المصطلحين ليس بريئاً دائماً، بل قد يتحول إلى أداة للتشويش على التدخلات الاستباقية الضرورية.

ما حدث في القصر الكبير ومحيطها يندرج في سياق تعبئة استباقية لحماية السكان من مخاطر طبيعية، في ظل ارتفاع منسوب المياه وما يرافقه من تهديد مباشر للأرواح والممتلكات. وقد أبانت السلطات المحلية ومختلف المتدخلين عن يقظة ميدانية في تتبع الوضع واتخاذ قرارات احترازية قبل أن تتحول المؤشرات إلى كارثة فعلية، وهو نهج تعتمده الدول التي تضع سلامة مواطنيها في صدارة الأولويات.

غير أن هذه اللحظات الحساسة تكون دائماً فرصة لبعض الأصوات التي تصطاد في الماء العكر، فتسارع إلى تبخيس جهود الدولة والتشكيك في نواياها، عبر تعليقات تحمل تأويلات سياسية أو خطاباً مشحوناً، وتستعمل مصطلحات فضفاضة من قبيل “التهجير” و“التغيير الديمغرافي” و“استغلال الكارثة”، دون سند واقعي أو معطيات دقيقة. هذه الخطابات، سواء صدرت من منصات خارجية أو من حسابات تسعى إلى الإثارة، لا تخدم إلا هدفاً واحداً: ضرب الثقة وإرباك الرأي العام في وقت يحتاج فيه الجميع إلى الهدوء والتضامن.

الكوارث الطبيعية لا تعترف بالحدود، والمغرب مثل غيره من بلدان العالم يواجه فيضانات وتغيرات مناخية متسارعة تفرض تدابير استثنائية، قد تكون مؤلمة على المستوى النفسي والاجتماعي، لكنها ضرورية لإنقاذ الأرواح. ومن واجب الإعلام المهني، في مثل هذه اللحظات، أن يميز بين النقد المشروع المبني على الوقائع، وبين تمرير المغالطات ودسّ السم في الفنجان.

الرهان اليوم ليس تسجيل نقاط سياسية ولا تأجيج الانفعالات، بل حماية الإنسان أولاً. فحين تكون الأرواح مهددة، يصبح الإجلاء واجباً، والتشكيك فيه دون أساس قد يتحول إلى خطر في حد ذاته. كما أن تضخيم الأحداث أو إخراجها من سياقها قد يعرقل التدخلات الميدانية ويؤثر على ثقة المواطنين في الإجراءات الوقائية.

إن المرحلة تقتضي تظافر جهود الجميع: سلطات، مجتمع مدني، إعلام، ومواطنين.
تقتضي خطاباً مسؤولاً يضع المعلومة الدقيقة فوق الإثارة، والإنسان فوق كل اعتبار.
وتقتضي أيضاً اليقظة من كل خطاب يحاول استغلال الأزمات لتمرير أجندات أو مغالطات.

المغرب واجه أزمات طبيعية كثيرة، وسيواجه غيرها مستقبلاً، لكن قوته كانت دائماً في تماسك جبهته الداخلية وفي وعي مواطنيه وإعلامه بحدود المسؤولية. فحين يتعلق الأمر بحماية الأرواح، لا مجال للمزايدة ولا للخلط بين المفاهيم… لأن الفرق بين “الإجلاء” و“التهجير” ليس لغوياً فقط، بل فرق بين إنقاذ حياة إنسان وبين تضليل رأي عام

مشاركة