بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة
ليس القتل وحده ما حرّمه الله تحريماً مطلقاً، بل قرنه بالظلم وجعلهما في ميزان واحد؛ فإزهاق روح بغير حق جريمة كبرى، والاعتداء على الحقيقة أو تزييفها أو الزجّ ببريء خلف القضبان ظلم لا يقل خطورة عند الله ولا في ضمير العدالة.
ملف مقتل الشاب بدر، الذي هزّ الرأي العام، ليس مجرد قضية جنائية عادية، بل جرح مفتوح في الوجدان المجتمعي، لأن الضحية شاب في مقتبل العمر، ولأن أصابع الاتهام اتجهت نحو أشرف الملقب بـ“ولد الفشوش”، في سياق اجتماعي حساس يتداخل فيه المال والنفوذ والصورة العامة للأسر الميسورة. غير أن العدالة لا تُبنى على الألقاب ولا على الانطباعات، بل على الوقائع الثابتة والأدلة اليقينية.
هذا الملف، بما يحمله من معطيات ظاهرة وأخرى خفية، يكشف تعقيداً شديداً: روايات متضاربة، اتهامات بالابتزاز والمساومة، حديث عن كذب وتزوير للمعطيات، وتشابك في المصالح والضغوط، ما يجعل الحقيقة بعيدة أحياناً وسط ضجيج التأويلات. لذلك فإن المرحلة الاستئنافية المرتقبة تظل محطة مفصلية قد تعيد ترتيب الوقائع وتكشف ما خفي منها، في اتجاه واحد لا غير: إظهار الحقيقة كاملة غير منقوصة.
ما يهم الرأي العام اليوم ليس أسماء المتهمين ولا خلفياتهم الاجتماعية، بل محاسبة الجناة الحقيقيين، أياً كانوا، ومساءلة كل من تلاعب بهذا الملف إن ثبت ذلك، لأن العدالة لا تكتمل إلا بكشف المسؤوليات كاملة، من الفاعل المباشر إلى كل من حاول تضليل مسار التحقيق أو التأثير على مجريات القضية.
إن أخطر ما يمكن أن يقع في مثل هذه القضايا هو صناعة “أكباش فداء” لإغلاق الملف سريعاً، أو تحويل الأنظار عن الحقيقة. فاليوم حساب أمام القضاء، وغداً حساب أمام الله، والظلم – كما القتل – لا يسقط بالتقادم في ميزان الأخلاق والضمير.
المطلوب اليوم واضح:
نريد معرفة القاتل الحقيقي.
نريد معرفة من له المصلحة في الزجّ ببريء خلف القضبان – إن وُجد – ولماذا.
نريد مساراً قضائياً شفافاً، يحمي حقوق الضحية وحقوق المتهمين في آن واحد.
فالعدالة الحقيقية ليست انتقاماً، وليست استجابة لضغط الشارع، وليست خضوعاً لنفوذ أو مال؛ العدالة هي الوصول إلى الحقيقة، ومعاقبة من ثبت تورطه، وتبرئة من لم يثبت في حقه شيء، حمايةً لروح القانون وصوناً لهيبة الدولة وثقة المواطنين.
قضية بدر اليوم ليست مجرد ملف في رفوف المحاكم، بل اختبار حقيقي لميزان العدالة:
هل ينتصر للحق مهما كان ثمنه؟
أم تضيع الحقيقة بين المصالح والروايات؟
الأيام القادمة، خصوصاً في المرحلة الاستئنافية، كفيلة بالإجابة… والكل ينتظر الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة

