بقلم الأستاذة غزلان الرحموني
محامية بهيئة الرباط وباحثة قانونية
أصبح الأداء الالكتروني لوجيبات المحافظة العقارية إلزاميا مع بداية يناير 2026 بعد صدور الدورية العامة للمحافظ العام مارس 2025، في إطار مواصلة اتخاذ الإجراءات اللازمة للتفعيل التدريجي لمقتضيات المرسوم رقم 2.18.181 المؤرخ بتاريخ 10 ديسمبر 2018 بتحديد شروط وكيفيات التدبير الالكتروني لعمليات التحفيظ العقاري والخدمات المرتبطة بها.
في إطار مواكبة التكنولوجيا الحديثة وتعميم نظام الرقمنة الذي أضحىيغزو العالم بأكمله، كان لزاما على المغرب أن يساير النظم المعلوماتية الجديدة وفقا للاستراتيجية الوطنية “المغرب الرقمي 2030.”
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى وضع الركائز والاهداف الكبرى والمخططات الرقمية التي تجعل المغرب من بين اهم البلدان الرائدة غي ميدان الرقمنة الحديثة، والغاية من كل ذلك تبسيط الإجراءات وتسريع الخدمات المقدمة للمواطنين بأقل تكلفة، وبوثيرة سريعة.
إن الإجراءات التقليدية أمام مكاتب المحافظات العقارية بالمملكة تتسم بالتعقيد وطول الوقت، وكثرة التنقلات دون جدوى الامر الذي يثقل كاهل المواطنين، ويعرقل سير العمل بالنسبة للمهنيين.
إن أهم الطلبات التي يتقدم بها المهنيون عموما أمام مكاتب المحافظات العقارية هي عبارة عن إيداع ملفات وقضايا مرتبطة بالتقييدات الرسمية أو الاحتياطية على الرسوم العقارية، هذه الطلبات التي يمكن أن تقدم مباشرة إلى السيد المحافظ أو بناء على أوامر مختلقة صادرة عن رئيس المحكمة.
وهناك طلبات أخرى ترمي إلى إجراء حجوزات تحفظية أو تنفيذية على الرسم العقاري، إلى غيرها من الطلبات.
وحيث إن سرد جميع الطلبات المقدمة إلى إدارات المحافظة العقارية يحتاج إلى تفصيل دقيق لا مجال لشرحه الآن.
ونحن نناقش موضوع الرقمنة ورهانات التحديث و نظام الأداء الالكتروني الجديد ما يهمنا هو الطلبات التي تكون الغاية منها هي الأداء، كما هو الحال بالنسبة لطلبات التقييد الاحتياطي وطلبات تمديد التقييد الاحتياطي وطلبات التشطيب على التقييد الاحتياطي، ثم طلبات التسجيل والتحفيظ …..إلخ، والقائمة طويلة.
مزايا هذا النظام الجديد الذي اعتمدته شبابيك المحافظات العقارية بسائر ربوع المملكة عديدة كما ذكرنا البعض منها أعلاه، وذلك تماشيا مع التكنولوجيا الرقمية التي غزت العالم بأسره.
في مقابل كل الإيجابيات لنظام الأداء الإلكتروني هناك سلبيات عديدة وعراقيل منذ بداية الاستخدام.
عند الشروع في عملية الأداء الالكتروني، أصبحت مكاتب المحافظات العقارية تستقبل الطلبات الورقية الرامية إلى إجراء تقييدات على الرسوم العقارية، وطلبات أخرى ترمي إلى أداء واجبات التسجيل والتحفيظ وغيرها من طلبات الأداء.
بمجرد إيداع الطلبات يقوم الموظف المتواجد في مكاتب الواجهة بدراسة الطلب وتفحص كل الوثائق المرفقة به وإدخال المعلومات المرتبطة بالطلب إلى الحاسوب، ثم يستخرج وصلا بإيداع الوثائق من أجل الدراسة يحمل رقما ترتيبيا بالإضافة إلى جميع المعلومات المتعلقة بالشخص الواضع للوثائق الذي قد يكون شخصا مهنيا ” محامي – موثق – عدل …….”، كما يمكن أن يكون الشخص المعني بالإجراء نفسه من قدم الطلب.
ذلك التوصيل يتضمن بريدا إلكترونيا يتعين على واضع الوثائق أن يستخدمه من أجل أداء الواجبات المرتبطة بالطلب.
يتعين على واضع الوثائق أن يدخل جميع المعلومات المضمنة في التوصيل عبر منصات البريد الإلكتروني للمحافظات العقارية والحصول على رقم “مرجع فاتورتي”، هذا الرقم يعطي له إمكانية الأداء عبر الحسابات البنكية وبعض المؤسسات المالية الصغيرة ومكاتب “تسهيلات”.
في البداية كمهنيين استبشرنا خيرا لأن عملية الأداء الالكتروني ستوفر لنا الوقت وتجنبنا صعاب التنقل إلى مكاتب المحافظات العقارية مباشرة من أجل إجراءات بسيطة يمكن القيام بها عن بعد ولا تستدعي الحضور إلى الادارة بشكل متكرر، لكن ما لم يكن في الحسبان أن هذا النظام كان في البداية معطلا ولا يسمح لك بالأداء رغم إدخال جميع المعلومات المتضمنة في توصيل إيداع الوثائق عبر البوابة الالكترونية بشكل صحيح.
إن الارتباك الذي شهدته مصالح المحافظة العقارية بمجرد الشروع في عملية نظام الأداء الالكتروني بداية يناير 2026 ساهم في تعطيل مصالح المواطنين وجعل حقوقهم عرضة للهدر والضياع، لأن أغلب الطلبات هي مرتبطة بآجالات وتمديدات، ومن بين أهم الإشكالات التي واجهتنا كمهنيين، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، عندما يتعلق الامر بطلب يرمي إلى إجراء تقييد احتياطي على الرسم العقاري.
سنحاول الإشارة إلى أهم الحالات العامة للتقييد الاحتياطي الخاضعة لأداء الوجيبات وليس المعفاة من أداء الوجيبات الواردة في ظهير التحفيظ العقاري بشكل مختصر، وأهم الإشكالات المرتبطة بنظام الأداء الالكتروني الجديد.
أولا : التقييد الاحتياطي بناء على سند وإشكالية الأداء الالكتروني
التقييد الاحتياطي بناء على سند هو إجراء تحفظي مؤقت الغاية منه حفظ الرتبة في التسجيل بالرسم العقاري بالنسبة للحقوق غير القابلة للتقييد الاحتياطي حسب مقتضيات الفصل 85 من ظهير التحفيظ العقاري، ولقد حدد المشرع العقاري أجال التقييد الاحتياطي بناء على سند وفقا للفصل 86 من ظ ت في عشرة أيام تعتبر مدة صلاحية لهذا التقييد و هيمدة غير قابلة للتمديد.
الاشكال المطروح أمام عطالة نظام الأداء الالكتروني، هو أن مدة العشرة الأيام التي أقرها المشرع إذا ما سايرنا الطرح والاجتهاد القضائي الذي يقر أن العبرة في تحديد الآجالات المرتبطة بالتقييد الاحتياطي هي من تاريخ إيداع الطلب لدى المحافظ العقاري وليس تاريخ الأداء عنها.
السؤال المطروح هنا ما الغاية من هذا التقييد الاحتياطي بناء على سند والجدوى منه إذا كان المشرع قد حدد أجله في 10 أيام وإذا لم يتم الأداء عنه مباشرة بعد الإيداع بسبب العطب التقني، فالمستفيد طالب التقييد الاحتياطي بناء على سند يتعذر عليه الأداء الكترونيا مما يضيع عليه فرصة الاستفادة من هذا الاجراء الوقتي وما قد سيترتب عنه من ضياع حقوقه جراء تفويت أو بيع أو غيرها من التصرفات القانونية التي قد تطال العقار.
ثانيا : التقييد الاحتياطي بناء على أمر قضائي وإشكالية العطالة الالكترونية
حدد المشرع العقاري وفقا لمقتضيات الفصل 86 من ظهير التحفيظ العقاري مدة التقييد الاحتياطي بناء على أمر قضائي في ثلاثة أشهر ابتداء من تاريخ صدوره، وليس من تاريخ التقييد على الرسم العقاري.
هنا تطرح العديد من الإشكالات العملية المرتبطة بمسألة تمديد هذا التقييد وكيفية احتساب الآجال القانونية، بمعنى أن صاحب التقييد الاحتياطي يجب عليه المبادرة إلى استصدار أمر آخر داخل سريان مفعول التقييد الاحتياطي الأول تحت طائلة عدم قبول طلبه.
والسؤال المطروح هنا ما الحل إذا لم يستطع المعني بالأمر تقييد التقييد الاحتياطي الأول بسبب عطالة نظام الأداء الالكتروني، مما يعني أنه لم يستطع تضمين التقييد الاحتياطي الصادر عن رئيس المحكمة على الرسم العقاري رغم إيداعه الطلب بمكاتب المحافظة العقارية بمجرد صدور الامر؟
والسؤال الثاني المطروح كذلك : هل توجد مكنة استصدار أمرقضائي بالتمديد دون تقييد الامر الأول بسبب صعوبة الأداء الالكتروني وعطالة النظام المعلوماتي وفوات الأجل؟
عمليا لا يمكن لرئيس المحكمة أن يصدر أمرا بالتمديد ما لم يتم تقييد الأمر الأول على الرسم العقاري، لأن العبرة ليس في صدور الامر بل بتضمينه بالرسم العقاري قبل طلب التمديد.
إذن لا يمكن القيام بالتمديد لأن التقييد الاحتياطي الأول لم يتم اعتماده في سجلات المحافظة على الرسم العقاري بسبب عدم الأداء الإلكتروني، والعبرة بالنسبة لمكاتب المحافظة العقارية بالأداء وليس الإيداع.
إن الراغب في إجراء تقييد احتياطي اليوم بناء على أمر قضائي وجد نفسه في حيرة من أمره ما بين الحماية القانونية المكفولة له بنصوص القانون والتي تفرض عليه احترام الآجالات تحت طائلة عدم قبول طلباته أو رفضها في حالة عدم الأداء وبين نظام تكنولوجي جديد فرضته الظرفية الحالية التي يعيشها العالم والمغرب جزء منه.
ثالثا: التقييد الاحتياطي بناء على مقال والإشكال المرتبط بالأداء الالكتروني
المشرع في قانون التحفيظ العقاري 14,07 المعدل والمتمم لظهير ت ع حدد مدة التقييد الاحتياطي بناء على مقال في شهر تنتهي صلاحيته بمرور هذه المدة ما لم يتم تمديده بناء على أمر قضائي عكس ما كان معمولا به سلفا حيث كانت صلاحية التقييد الاحتياطي بناء على مقال افتتاحي تستمر إلى غاية نهاية النزاع.
الإشكالات المثارة بالنسبة للتقييد الاحتياطي بناء على مقال هي نفسها التي تحدثنا عنها بخصوص التقييد الاحتياطي بناء على أمر قضائي، بل قد تزيد حدة بسبب قصر مدة التقييد الاحتياطي الأول بناء على مقال وهي30 يوما، صاحب الحق إذا تعذر عليه الأداء بسبب عطب تقني في نظام الأداء الالكتروني ولم يتم حل المشكل داخل الاجل وتدارك الأمر، ولم يستطع هذا الأخير تضمين التقيد الاحتياطي الأول على الرسم العقاري حتى يتسنى له القيام بإجراءات التمديد، تضيع حقوقه بسهولة ولم تعد هناك أي جدوى من هذا الإجراءات الوقتية التحفظية.
صعوبة الأداء الكترونيا مع بداية استخدام النظام المعلوماتي الجديد لأسباب تقنية وعطالته بشكل متكرر، أمر جعل المواطن يتردد ما بين ردهات مكاتب المحافظة العقارية التي أصبحت ترفض تلقي أي أداء نقدي للوجيبات، و ما بين المؤسسات المالية التي تم حصرها في بعض الأبناك فقط، بل حتى هذه المؤسسات المالية لم يتيسر لها القيام بالاداء.
هناك فئة عريضة من المواطنين لا تتوفر على حسابات بنكية شخصية، فرض عليها هذا النظام ضرورة فتح حساب بنكي لدى مؤسسات بنكية محددة وهو ما سيترتب عنه أداء واجبات ومصاريف الخدمات البنكية بالإضافة إلى مصاريف الاقتطاع الخاصة بكل عملية أداء على حدة، وحتى في حالة اللجوء إلى المؤسسة البنكية مباشرة من اجل الأداء فلا بد من أداء مصاريف مالية إضافية مقابل الخدمة البنكية المقدمة إلى الأشخاص بعد استخلاص واجبات المحافظة العقارية.
إن الحديث عن أهم الإشكالات والمعيقات التي صاحبت الشروع في عملية الأداء الإلكتروني بمختلف مكاتب المحافظات العقارية المرتبطةبواجبات التسجيل والتحفيظ ومختلف التقييدات، يحتاج إلى المزيد من الوقت والممارسات العملية المستقبلية حتى يتم التقييم على ارض الواقع من خلال التجارب والحالات اليومية الواردة على مكاتب المحافظات العقاريةوالمطروحة أمام المحاكم.
في الختام لا بد لنا من الإشارة إلى بعض التوصيات، فرغم الإيجابيات الكثيرة لهذا النظام الجديد الذي يجسد استراتيجية المغرب الرقمي 2030ورهانات الرقمنة والتحديث ، ومتلازمة الذكاء الاصطناعي الذي فرضت على العالم السرعة في الإجراءات وفي الخدمات المقدمة للمواطنين والبحث عن بدائل رقمية جديدة أكثر تقدما.
الوضع أصبح يحتم على كل المتدخلين والفاعلين في عملية التشريع مواكبة النصوص القانونية للآليات التكنولوجية الحديثة بغية تحقيق الحماية القانونية اللازمة للمواطن بالدرجة الأولى حتى يستفيد من الرقمنة بشكل إيجابي ولا تؤثر على حقوقه سلبا، وحتى يواكب الركب التكنولوجي الجديد ولا تكون ملكيته العقارية عرضة للضياع.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية التكوين والتكوين المستمر لجميع شرائح المجتمع الامر الذي يستدعي النهوض بقطاع التعليم هو الآخر حتى يساير التكنولوجيا الحديثة في المناهج والبرامج المدرسية وألا تقتصر الوزارة على الأدوار التقليدية في تلقين الناشئة المسائل النظرية والفلسفية بعيدا عنالوسائل التكنولوجية الحديثة والتقنيات الرقمية.

