بقلم الاستاذ كفيل محمد سياسي و محامي بهيئة البيضاء.
لم يكن قرار جمعية هيئات المحامين الدخول في إضراب إلى أجل غير مسمى فعلاً نقابياً عابراً ولا نزوة مهنية ظرفية، بل هو صرخة سياسية وقانونية مدوية تكشف عطباً بنيوياً في طريقة تدبير الاختلاف داخل الدولة. حين تصل هيئة مهنية عريقة، تضطلع بدور دستوري في حماية الحقوق والحريات، إلى إعلان الشلل، فذلك يعني أن قنوات الحوار قد سُدّت، وأن من بيده القرار لم يُحسن يوماً فن الإصغاء ولا امتلاك أدوات الاحتواء. الإضراب هنا ليس غاية، بل نتيجة حتمية لمسار من التعالي المؤسسي ورفض الاعتراف بالشريك المهني باعتباره فاعلاً لا تابعاً.
إن وزارة العدل، في هذا النزاع، تبدو عاجزة عن حل الإشكال الذي صنعته بيدها، لأنها لا تجيد سوى إنتاج الأزمات لا إدارتها. فبدل فتح حوار جدي، صريح، ومتدرّج مع المحامين، اختارت منطق الفرض والأمر الواقع، وكأن مهنة المحاماة مجرد ملحق إداري يمكن إعادة تشكيله بمراسيم وتقنيات تشريعية باردة. هذا العجز عن التدبير لا يختلف كثيراً عن سوابق حكومية أخرى، حيث رأينا قطاعات حيوية تُدفع إلى حافة الانسداد، كما حدث في ملف طلبة الطب، حين عُلّقت سنة دراسية كاملة، دون أن تنجح الوزارة الوصية في فرض ما أرادت أو في تعديل ما أخطأت، فكان الفشل مضاعفاً: في السياسة وفي الحكامة.
الأخطر في هذا المسار أن الوزارة لا يبدو أنها تعير أي اهتمام لتعطّل مصالح المواطنين ولا لرمزية توقف مرفق العدالة، ذلك المرفق الذي يُفترض أن يكون آخر ما يُسمح له بالشلل في دولة تحترم نفسها. فالعدالة ليست خدمة عمومية عادية، بل عمود الثقة بين المواطن والدولة، وحين تُصاب هذه الثقة بالاهتزاز، فإن صورة البلاد في الداخل والخارج تتلقى ضربة قاسية. إن الاستهانة بإضراب المحامين هي استهانة بحق التقاضي، وبمبدأ الأمن القانوني، وبالوظيفة الأخلاقية للعدالة ذاتها.
أما مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، الذي تحيله الحكومة على البرلمان دون اطلاع حقيقي وفعلي لأصحاب الشأن، فيجسد منتهى العبث التشريعي. فالقوانين في الدول الديمقراطية تُصاغ بالتشاور لا بالمفاجأة، وبالتوافق لا بالإملاء. وتجارب مقارنة كثيرة، من فرنسا إلى كندا، تُظهر أن أي مساس باستقلال المهن القانونية دون إشراكها الكامل يؤدي إلى أزمات حادة وإلى تراجع الثقة في منظومة العدالة برمتها. لقد جاء هذا المشروع، كما يراه المحامون، متعارضاً مع استقلال مهنتهم، ومجهزاً على حقوق مكتسبة راكمتها عقود من النضال، وكأنه عقاب جماعي لا إصلاح تشريعي.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف تقني حول مواد قانونية، بل هو اختبار حقيقي لفهم الحكومة لمعنى الدولة الحديثة: دولة الحوار، لا دولة التغوّل؛ دولة الشراكة، لا دولة الوصاية. وقديماً قيل إن “القانون الذي لا يحمي كرامة من يطبقه، يتحول إلى أداة ضد العدالة نفسها”. فإذا استمرت الحكومة، ووزير العدل على وجه الخصوص، في هذا النهج، فإنها لا تُضعف مهنة المحاماة فقط، بل تُقوّض أحد آخر الأسوار التي تحمي التوازن بين السلطة والحرية، وتدفع المجتمع، عن غير قصد، إلى مزيد من الشك والاحتقان.

