الرئيسية غير مصنف لهذه الأسباب يجب التعجيل بالرقمنة حتى لا تضيع حقوق المتقاضين

لهذه الأسباب يجب التعجيل بالرقمنة حتى لا تضيع حقوق المتقاضين

IMG 1167
كتبه كتب في 2 فبراير، 2026 - 7:41 مساءً

إن تداول صور تُظهر غمر ملفات ووثائق ورقية بالمياه داخل مرافق عمومية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع تدبير الأرشيف القضائي، وحول مدى جاهزية منظومة العدالة لمواجهة المخاطر الطبيعية المتوقعة، خاصة خلال فصل الشتاء. فحين تكون الوثيقة القضائية هي الحامل الوحيد للحق، فإن أي مساس بها لا يُعد خللًا إداريًا عابرًا، بل مساسًا مباشرًا بحقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة.

وإذا صحت هذه الصورة فعلًا، وتأكد أن قسم الحفظ بالمحكمة الابتدائية بمدينة القصر الكبير قد تعرّض للتلف نتيجة تأثير الفيضانات، فإن الأمر لا يمكن التعامل معه بمنطق الأسف أو التبرير، بل بمنطق المسؤولية القانونية. ذلك أن ضياع أو تلف الملفات القضائية يترتب عنه ضرر محقق، قد يمس مراكز قانونية قائمة، ويؤثر على آجال ومساطر وحقوق مكتسبة، وهو ما يفتح الباب أمام المتضررين لسلوك مسطرة القضاء الإداري قصد المطالبة بالتعويض.

وفي هذا السياق، تثار مسألة المسؤولية التقصيرية للإدارة، وتحديدًا وزارة العدل، بصفتها المسؤولة عن تنظيم المرفق القضائي وضمان سلامة أرشيفه وحسن تدبيره. ولا مجال، في مثل هذه الحالة، للاحتجاج بكون الفيضانات تشكل قوة قاهرة بالمعنى القانوني المنصوص عليه في الفصل 269 من ظهير الالتزامات والعقود، ما دام أن التساقطات المطرية خلال فصل الشتاء تُعد من الأمور المتوقعة عرفًا وقانونًا، ولا ترقى إلى وصف الحدث الفجائي الذي لا يمكن توقعه ولا دفعه.

وقد استقر الاجتهاد القضائي، ولا سيما محكمة النقض، في العديد من قراراتها، على أن القوة القاهرة تقتضي توفر عنصر عدم التوقع وعدم إمكان الدفع، وهو ما ينتفي عندما يتعلق الأمر بأمطار موسمية معروفة، كان من الواجب على الإدارة الاستعداد لها واتخاذ التدابير الوقائية الكفيلة بحماية الوثائق والمرافق الحساسة. فالإهمال أو التقصير في اتخاذ هذه التدابير يُحمّل الإدارة المسؤولية الكاملة عن الأضرار الناتجة.

إن هذا الواقع يعيد إلى الواجهة، وبإلحاح أكبر، مسألة الرقمنة الشاملة للملفات القضائية، ليس باعتبارها خيارًا حداثيًا أو ترفًا إداريًا، بل كضرورة قانونية ومؤسساتية لحماية الحقوق وضمان استمرارية المرفق العام. فالملف الرقمي لا يتأثر بالمياه، ولا يضيع بالحريق، ولا يتلف بالإهمال، كما يوفّر إمكانية التتبع والنسخ والحفظ الآمن، ويعزز الثقة في العدالة ويحصّنها من المخاطر المادية.

إن استمرار الاعتماد شبه الكلي على الأرشيف الورقي، في ظل التغيرات المناخية وتكرار الحوادث، يجعل حقوق المتقاضين عرضة للضياع، ويضع الإدارة في موقع المساءلة القانونية والأخلاقية. فالعدالة التي يُفترض أن تحمي الحقوق لا يمكن أن تبقى رهينة ملفات كرتونية مهددة في كل لحظة.

وخلاصة القول، إن التعجيل بالرقمنة لم يعد مجرد مطلب إصلاحي، بل التزام قانوني وأخلاقي، لأن حماية الوثيقة القضائية هي في جوهرها حماية للحق، وصون للثقة في مرفق يُفترض أن يكون حصنًا للمتقاضين، لا مصدرًا جديدًا لمعاناتهم.

مشاركة