الرئيسية غير مصنف استراحة صحفي… بعد أكثر من ثلاثة عقود في بلاط صاحبة الجلالة

استراحة صحفي… بعد أكثر من ثلاثة عقود في بلاط صاحبة الجلالة

WhatsApp Image 2026 02 02 at 17.40.15
كتبه كتب في 2 فبراير، 2026 - 6:45 مساءً

ذ. رضوان الطاهري

بعد ما يزيد على ثلاثة عقود من العمل المتواصل في الصحافة المكتوبة، يحين وقت التوقف قليلا لالتقاط الأنفاس. ليست استقالة من المهنة، ولا وداعا نهائيا للحبر والورق، بل استراحة محارب أرهقته المعارك اليومية مع الخبر والعنوان، وهو يتحرك دائما بين مطرقة ضغط الوقت وسندان الرقابة.

ثلاثون عاما وأكثر مضت كأنها عدد لا ينتهي من الطبعات الصباحية، وأمسيات التحرير المتأخرة، ومواعيد نهائية لا تعرف الرحمة. سنوات عاش فيها الصحفي على إيقاع السرعة القاسية، مطالبا بأن ينجز قبل أن يفوته الزمن، وأن يقول دون أن يتجاوز الخطوط المرسومة، تعلم خلالها أن الخبر ليس فقط ما يُقال، بل أيضا ما يُؤجل أو يُخفى، وأن الحقيقة غالبا ما تأتي متعبة، محاطة بالشكوك، وتحتاج صبرا طويلا وضميرا يقظا لتخرج إلى العلن.

في الصحافة المكتوبة، كان لكل صباح طقسه الخاص: رائحة الورق، خشخشة الصفحات، ومزيج القلق والاعتزاز عند رؤية الاسم مطبوعا تحت عنوان جريء أو تحقيق شاق. كانت الكتابة فعل مقاومة يومي؛ مقاومة للنسيان، للتزييف، وللاختزال الذي يحاول ضغط العالم في سطرين، وكان الصحفي شاهدا لا يُفترض به أن يغيب، حتى وهو يزن كلماته بحذر، خوفا من مقص الرقيب أو ضيق المساحة.

على امتداد هذه السنوات، تعلم الصحفي كيف يوازن بين ما يجب أن يُكتب وما يمكن نشره، وكيف تمر الأسئلة الصعبة بين السطور حين يُغلق الباب أمام التصريح المباشر، لم تكن الرقابة دائما أوامر واضحة، بل كثيرا ما كانت إحساسا ثقيلا يرافق الكتابة، يذكر بأن لكل كلمة ثمنا، وأن الخطأ قد لا يُغتفر.

لكن الزمن تغير؛ تراجعت المساحات، وضاق صدر الورق، وتسارعت المنصات الرقمية التي لا تنتظر تدقيقا طويلا ولا تمنح الخبر وقتا كافيا لينضج، في هذا الإيقاع المتسارع، ازداد ضغط الوقت حدة، وازدادت الحقيقة هشاشة، ومع ذلك، ظلت الصحافة المكتوبة مدرسة أخلاق ومهنة، تعلم الانضباط، واحترام القارئ، والإيمان بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون رأيا.

هذه الاستراحة ليست هروبا من المهنة، بل عودة إلى الذات. مراجعة لما كُتب، وما كان يمكن أن يُكتب بشكل أفضل أو أشجع. لحظة تأمل في أخطاء مهنية كانت جزءا من التعلم، وفي نجاحات صغيرة صنعت فرقا حقيقيا، ولو في وعي قارئ واحد. وهي أيضًا فرصة للإنصات، فبعد سنوات من مطاردة الخبر وطرح الأسئلة، قد يكون من الحكمة الإصغاء قليلا لما يقوله الزمن.

الصحافة لا تترك أبناءها بسهولة. من عاش عمره يلاحق التفاصيل، ويصادق الهامش، ويشكك في الرواية الجاهزة، يصعب عليه أن يتقاعد حقا. قد يبتعد الجسد عن غرفة الأخبار، لكن العقل يبقى مشغولا، والعين تظل مدربة على التقاط المفارقة، واليد تشتاق إلى القلم، حتى في عز الصمت.

هي إذن استراحة لا أكثر. استراحة صحفي عرف المهنة وهي تقف دائما بين الاستعجال والمنع، بين ضغط الوقت وحدود الرقابة، لكنه ظل يؤمن أن الصحافة، مهما تغيرت أدواتها، ستبقى فعل بحث عن الحقيقة، ودفاعا عن حق الناس في المعرفة. وبعد الاستراحة، لكل حادث حديث؛ فالحكايات لم تنته بعد، وما زال في الذاكرة متسع لسطر جديد.

مشاركة