الرئيسية غير مصنف يأجوج ومأجوج القضائي… استعارة تكشف حجم الضغط داخل محاكم الدار البيضاء

يأجوج ومأجوج القضائي… استعارة تكشف حجم الضغط داخل محاكم الدار البيضاء

IMG 4031
كتبه كتب في 23 يناير، 2026 - 6:59 مساءً

بقلم: عزيز بنحريميدة

في كل صباح، تفتح محاكم الدار البيضاء أبوابها على واقع يعرفه الجميع: تدفّق لا يتوقف من القضايا، الشكايات، المحاضر، والملفات بمختلف أنواعها. واقع يفرض نفسه بقوة الأرقام، في مدينة يتجاوز عدد سكانها سبعة ملايين نسمة، ويُعدّ ثقلها الديمغرافي والاقتصادي الأكبر وطنياً.

ليس حجم الضغط هنا عادياً، بل استثنائي بكل المقاييس. فالقضاة، وموظفو كتابة الضبط، ونواب النيابة العامة، يشتغلون بوتيرة متسارعة يومياً، في سباق دائم مع الزمن. يبتّون في آلاف الملفات، يوقّعون على مئات الإجراءات، يتابعون الجلسات، ويستقبلون المرتفقين… ومع ذلك، ما إن يشعروا بأنهم اقتربوا من تقليص التراكم، حتى تعود الأرقام إلى الارتفاع من جديد.

ويصف بعض المتابعين هذا الواقع بصورة رمزية دقيقة تشبه ما ورد في قصة يأجوج ومأجوج:
كلما اكتمل حفر السدّ، عاد التدفق من جديد.
ليس لأن السدّ ضعيف، بل لأن الضغط يفوق الطاقة البشرية العادية.

وهذا التشبيه لا يحمل أي بعد قدحي، بل يعبّر بدقة عن طبيعة التحدي الذي تواجهه المنظومة القضائية بالعاصمة الاقتصادية:
جهد يومي جبّار يقابله سيل متواصل من الملفات، يجعل الإحساس بالإنجاز دائماً نسبياً، ومؤقتاً، مهما بلغت وتيرة العمل.

ورغم ذلك، تكشف المؤشرات الوطنية المتعلقة بعدد الملفات المعالجة ونسب البت أن ما تحققه محاكم الدار البيضاء يُعد ثمرة مجهودات مضاعفة، بل استثنائية، لا يمكن تفسيرها إلا بروح المسؤولية العالية التي يتحلّى بها القضاة والموظفون وأطر النيابة العامة.
فالأرقام الوطنية لم تكن لتتحقق لولا هذا العمل اليومي الصامت، الذي غالباً ما يمتد خارج الزمن الإداري الرسمي.

إن الحديث عن هذا الضغط لا ينبغي أن يُقرأ كتشكيك في أداء العدالة، بل كاعتراف صريح بثقل المهمة، وكتشخيص واقعي لحاجة موضوعية إلى:
• تعزيز الموارد البشرية
• تطوير البنية التحتية للمحاكم
• تسريع ورش الرقمنة
• تحسين ظروف اشتغال المرفق القضائي

لأن العدالة في مدينة بحجم الدار البيضاء ليست مجرد إدارة عمومية، بل منظومة تواجه يومياً طوفاناً اجتماعياً واقتصادياً معقداً، وتتطلب من العاملين بها قدرة استثنائية على الصبر والتحمّل والانضباط.

ورغم كل ذلك، يواصل رجال ونساء العدالة أداء واجبهم بصمت ومسؤولية، مدركين أن حماية الحقوق وضمان الإنصاف في مدينة بهذا الحجم ليست وظيفة عادية، بل رسالة يومية شاقة… لكنها ضرورية.

مشاركة