الرئيسية غير مصنف الحقيقة في حكم المحكمة الدستورية لا في بيانات السياسة والمعارضة البرلمانية

الحقيقة في حكم المحكمة الدستورية لا في بيانات السياسة والمعارضة البرلمانية

IMG 4024
كتبه كتب في 23 يناير، 2026 - 6:42 مساءً

بقلم: عزيز بنحريميدة

أثار قرار المحكمة الدستورية بخصوص القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، تراوح بين التحليل القانوني الرصين وبين التأويل السياسي المتسرّع، الذي ذهب ببعض الأطراف إلى تقديم الحكم وكأنه “إسقاط كامل للقانون”، في حين أن قراءة متأنية حيثيات القرار تكشف صورة مختلفة تماماً.

فما جرى مساء الخميس لم يكن مجرّد جدل قانوني تقني، بل تحوّل لدى بعض الفاعلين إلى مادة للتوظيف السياسي والإعلامي، خصوصاً من طرف مكونات في المعارضة البرلمانية، سعت إلى تسويق رواية مفادها أن المحكمة الدستورية وجهت ضربة قاصمة للنص التشريعي برمّته. غير أن مضمون الحكم يُظهر أن المحكمة لم ترفض القانون في جوهره، بل قامت بدورها الدستوري الطبيعي في مراقبة بعض المقتضيات وتصويب اختلالات محددة.

المحكمة الدستورية، في قرارها، أقرت بعدد من المبادئ الأساسية التي كانت محل نقاش، من بينها:

  • تثبيت نمط الانتخاب الفردي للصحافيين داخل المجلس؛
  • الإبقاء على تمثيلية الناشرين عبر المنظمات المهنية؛
  • اعتماد معايير موضوعية كالرقم المالي وعدد المستخدمين لقياس التمثيلية.

وهي عناصر جوهرية تؤكد أن المؤسسة الدستورية تعاملت مع النص بمنطق التوازن، لا بمنطق الغلبة السياسية.

وفي المقابل، أسقطت المحكمة بعض المواد لأنها رأت فيها إخلالاً بمبدأ التوازن بين الاختصاصات، أو مساساً بضمانات المحاكمة المهنية العادلة داخل المجلس، خصوصاً ما يتعلق بعدم الجمع بين سلطة التأديب وسلطة البت في الطعون، وكذا بعض الاختلالات المرتبطة بالتمثيلية العددية. وهي ملاحظات ذات طابع دستوري محض، لا تحمل في طياتها أي بعد سياسي أو حزبي.

من هذا المنطلق، يبدو أن تصوير الحكم باعتباره “انتصاراً سياسياً” لطرف على حساب آخر لا يعكس حقيقة القرار، بقدر ما يعكس رغبة بعض الفاعلين في توظيفه ضمن صراعهم مع الأغلبية الحكومية. والحال أن المحكمة الدستورية، بحكم طبيعتها، لا تنتصر لهذا الطرف أو ذاك، بل تنتصر فقط للدستور ولمنطق المؤسسات.

الأهم في هذا المسار، أن ما وقع يُجسّد في العمق اشتغالاً طبيعياً وسليماً للدولة المؤسساتية:

حكومة تقترح،

برلمان يناقش ويصوّت،

ومحكمة دستورية تراقب وتصحّح.

وهي دينامية صحية ينبغي تثمينها بدل تحويلها إلى مادة للتهويل السياسي.

إن إصلاح منظومة المجلس الوطني للصحافة يظل قضية مهنية بالأساس، تهم مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة وحماية استقلاليتها وأخلاقياتها، وهو ما يفرض نقاشاً هادئاً ومسؤولاً، بعيداً عن المزايدات والاصطفافات الظرفية.

فالصحافة، قبل أن تكون مجالاً للتجاذب السياسي، هي ركيزة من ركائز البناء الديمقراطي، ومهنة تحتاج إلى قواعد واضحة ومؤسسات متوازنة، لا إلى شعارات عابرة.

مشاركة