الرئيسية غير مصنف الدور الآيلة للسقوط بين هاجس السلامة وتعقيدات القانون: قراءة قضائية معمقة من قلب الدار البيضاء

الدور الآيلة للسقوط بين هاجس السلامة وتعقيدات القانون: قراءة قضائية معمقة من قلب الدار البيضاء

IMG 0310
كتبه كتب في 9 يناير، 2026 - 7:44 مساءً

الدار البيضاء – صوت العدالة

احتضنت عمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي، يوم الخميس 08 يناير 2026، يوماً دراسياً رفيع المستوى خُصص لموضوع “المقاربة القضائية والإدارية لإشكالية الدور الآيلة للسقوط”، في سياق يتسم بتزايد المخاطر المرتبطة بالمباني المهددة بالانهيار، وما تطرحه من تحديات قانونية وإنسانية تمس بشكل مباشر الحق في الحياة والسلامة والسكن اللائق.

اللقاء، الذي عرف مشاركة وازنة لمسؤولي الإدارة الترابية والقضائية، وخبراء وممثلي مؤسسات عمومية، شكّل محطة للتفكير الجماعي حول سبل الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى منطق الوقاية والتخطيط الاستباقي، في انسجام مع مقتضيات القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري.

IMG 0308 1

في مداخلة وُصفت بالأكاديمية والعملية في آن واحد، قدّم عبد المجيد شفيق قراءة معمقة في الإشكاليات القانونية المرتبطة بالتطبيق السليم لقانون المباني الآيلة للسقوط، مبرزاً أن جوهر هذا القانون يقوم على المقاربة الوقائية، التي لا تشترط وقوع الانهيار فعلاً، بل يكفي ثبوت خطر محتمل يهدد سلامة الأشخاص أو الممتلكات لتبرير التدخل الإداري.

وأوضح رئيس المحكمة الإدارية أن جزءاً كبيراً من سوء الفهم الذي يرافق هذا الملف يرجع إلى الخلط بين سلطة الإدارة في اتخاذ قرارات الإفراغ أو التدعيم أو الهدم، وبين دور القضاء في مراقبة مشروعية هذه القرارات، مؤكداً أن القضاء الإداري لا يعطل حماية الأرواح، بل يحرص على تحقيق التوازن بين متطلبات السلامة العامة وضمان الحقوق الفردية للمالكين أو القاطنين.

IMG 0315

كما أسهب في شرح المساطر القانونية التي يجهلها عامة المواطنين، خاصة ما يتعلق بدور الخبرة التقنية، وعمل اللجان الإقليمية، وحدود السلطة التقديرية للإدارة، مبرزاً أن أي قرار إداري لا يستند إلى خبرة تقنية جدية ومعايير موضوعية يبقى عرضة للإلغاء القضائي.

مؤكدا على أن قانون المباني الآيلة للسقوط يقوم على منطق وقائي واضح، لا ينتظر وقوع الانهيار، بل يكتفي بثبوت خطر محتمل لتبرير التدخل الإداري.

وبيّن أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النص القانوني، بقدر ما يرتبط أحياناً بسوء الفهم المجتمعي لدور القضاء الإداري، الذي لا يهدف إلى تعطيل قرارات الإدارة، وإنما إلى مراقبة مشروعيتها وضمان احترام حقوق الأفراد في إطار مبدأ التناسب بين حماية السلامة العامة وصيانة الملكية والحقوق المكتسبة.

IMG 0314

من جهته، ركّز حسن جابر في مداخلته على الشق الزجري والجنحي المرتبط بالمباني الآيلة للسقوط، مبرزاً أن المشرع لم يتعامل مع هذا الملف بمنطق إداري صرف، بل أقر مقتضيات زجرية واضحة لمواجهة الإهمال أو الامتناع غير المبرر عن تنفيذ القرارات الإدارية الرامية إلى حماية السلامة الحضرية.

وأوضح الاستاذ حسن جابر أن الإحالة الزجرية تظل قائمة كلما ثبت تعريض حياة الغير للخطر، سواء من طرف المالكين أو المسؤولين عن التسيير، مشدداً على أن القانون 94.12 يشكل آلية لحماية الأرواح قبل أن يكون أداة للعقاب، وأن القضاء الزجري يضطلع بدور تكميلي للإدارة والقضاء الإداري في فرض احترام القانون.

IMG 0313

وبدورها سجلت مداخلة وكيل الملك لدى المحكمة الزجرية عين السبع الاستاذ محمد الزواكي حضوراً لافتاً، لما حملته من توضيح دقيق لدور النيابة العامة في معالجة إشكالية الدور الآيلة للسقوط، باعتبارها فاعلاً محورياً في حماية النظام العام وضمان السلامة الحضرية.

وأكد السيد وكيل الملك أن النيابة العامة تضطلع بدور استباقي لا يقل أهمية عن دورها الزجري، حيث تتفاعل مع تقارير السلطات المحلية واللجان التقنية، وتواكب تنفيذ القرارات الإدارية المتعلقة بالإفراغ أو الهدم أو التدعيم، متى تبيّن أن الخطر قائم ويهدد حياة الأشخاص.

وأوضح أن المقاربة التي تعتمدها النيابة العامة تقوم على التحرك الفوري كلما تعلق الأمر بتهديد فعلي للسلامة الجسدية، وعدم التردد في تفعيل المتابعات الجنحية في مواجهة كل من يثبت تورطه في الإهمال أو الامتناع عن تنفيذ القرارات القانونية، أو تعريض الغير للخطر، انسجاماً مع فلسفة القانون الجنائي وقانون المباني الآيلة للسقوط.

كما شدد على أن النيابة العامة لا تشتغل بمنطق العقاب المجرد، بل تراعي البعد الاجتماعي والإنساني، وتسعى إلى تحقيق التوازن بين صرامة القانون وحماية الأرواح من جهة، ومراعاة أوضاع الأسر المعنية من جهة ثانية، في إطار احترام القانون والمساطر الجاري بها العمل.

IMG 0311

وخلصت أشغال هذا اليوم الدراسي، الذي عرف حضور عدد من عمال الأقاليم، ورؤساء المحاكم، ووكلاء الملك، إلى التأكيد على أن ملف الدور الآيلة للسقوط لا يمكن معالجته بنجاح إلا عبر تنسيق محكم بين الإدارة والقضاء، وتبسيط المساطر، وتعزيز التواصل مع المواطنين، مع مراعاة البعد الاجتماعي للأسر المتضررة.

IMG 0309

ويُجمع المتتبعون على أن مثل هذه اللقاءات العلمية تساهم في توحيد الفهم القانوني، وتفكيك الإشكالات التطبيقية، بما يضمن سلامة المواطنين ويحافظ على السلم الاجتماعي والذاكرة العمرانية للدار البيضاء

مشاركة