رغم ما ترفعه الحكومة من شعارات تحديث الإدارة وتثمين الرأسمال البشري، يكشف واقع العمل داخل عدد من المرافق العمومية عن صورة مغايرة، عنوانها الأساسي غياب مناخ مهني محفّز، وتراكم اختلالات بنيوية تمس جوهر العدالة المهنية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
من أبرز هذه الاختلالات، استمرار عدم إدماج حاملي الشهادات العليا في السلالم والدرجات التي تتلاءم مع مؤهلاتهم العلمية والعملية، ما يخلق فجوة صارخة بين الكفاءة والمسار الوظيفي، ويُحوّل الاستثمار في التكوين إلى عبء غير مُعترف به إداريًا. كما تعاني الموظفات، على وجه الخصوص، من تعثر المسار المهني خلال فترات الانقطاع القانونية المرتبطة بالأمومة أو الرعاية، حيث تتحول هذه الحقوق الاجتماعية إلى عقوبات غير معلنة تؤثر على الترقية والتنقيط والتعويضات.
ويُسجل أيضًا ضعف كبير في الولوجيات المعمارية والرقمية والاجتماعية لفائدة الموظفات والموظفين في وضعية إعاقة، بما يتنافى مع مبادئ الإدماج وتكافؤ الفرص التي تؤكد عليها النصوص الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب. وفي السياق ذاته، يبرز غياب التأمين عن حوادث الشغل داخل مقرات العمل وخارجها، كأحد مظاهر الهشاشة المهنية التي ما تزال تطبع الوظيفة العمومية.
أما على مستوى الأجور، فتستمر التفاوتات داخل المنظومة الأجرية رغم وحدة المشغّل، ما يطرح علامات استفهام حول معايير الإنصاف والعدالة، خصوصًا في ظل غياب تكافؤ الفرص في الترقية والتعيينات في مناصب المسؤولية، وضعف مؤشرات ولوج النساء إلى مراكز القرار.
ويُضاف إلى ذلك القصور الواضح في برامج التكوين المستمر، خاصة في مجال الرقمنة، في وقت ترفع فيه الدولة شعار الانتقال الرقمي، دون توفير شروط تأهيل حقيقية للموارد البشرية. كما لا تزال مظاهر العنف والتحرش والتمييز داخل فضاءات العمل قائمة، مقابل ضعف آليات التبليغ والحماية، وغياب نقل مهني يضمن كرامة الموظفين وسلامتهم.
هذه الأوضاع مجتمعة لا تؤثر فقط على الاستقرار النفسي والمهني للموظفين، بل تُعمّق منسوب الإحباط وتُضعف الثقة في منظومة الترقي والإنصاف داخل الوظيفة العمومية، ما ينعكس سلبًا على أداء الإدارة وجودة الخدمات العمومية.
وفي ظل هذه المعطيات، يتجدد السؤال حول مدى قدرة الإصلاحات المعلنة على الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى الأثر، وحول ضرورة اعتماد مقاربة شمولية للاستثمار في الرأسمال البشري، باعتباره المدخل الأساسي لإدارة عمومية ناجعة، عادلة، وقادرة على مواكبة تحديات التنمية المستدامة.
وظيفة عمومية بلا تحفيز: اختلالات عميقة تُفرغ خطاب إصلاح الإدارة من مضمونه

كتبه Srifi كتب في 6 يناير، 2026 - 5:52 مساءً
مقالات ذات صلة
7 يناير، 2026
بالصور : عبدالزاق احلوش يترأس اجتماع المجموعة الموضوعاتية لتقييم مخطط المغرب الأخضر
انعقد، صباح يوم الأربعاء 7 يناير 2026 على الساعة الحادية عشرة صباحًا، اجتماع المجموعة الموضوعاتية المكلفة بتقييم مخطط المغرب الأخضر، [...]
7 يناير، 2026
انعقاد الدورة العادية لمقاطعة بني مكادة لشهر يناير 2026
صوت العدالة- عبد السلام العزاوي شهدت الدورة العادية لمقاطعة بني مكادة، ليناير 2026، المنعقدة يوم الثلاثاء 06 من الشهر الجاري، [...]
7 يناير، 2026
هيئات المحامين تدخل مرحلة التصعيد: توقف شامل عن الخدمات واحتجاج وطني مفتوح ضد مشروع قانون المهنة
صوت العدالة : مكتب مراكش عقد مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب اجتماعًا عن بعد بتاريخ 6 يناير 2026، خُصِّص لتقييم [...]
6 يناير، 2026
وفد من الـFBI يطلع على الترتيبات الأمنية بملعب مولاي الحسن
قام وفد رفيع من مسؤولي مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (FBI)، زوال اليوم، بزيارة ميدانية إلى ملعب مولاي الحسن بالرباط، وذلك [...]
