صوت العدالة- متابعة
أثار نشر الناشط والمهتم بالصحافة الاستقصائية، أمير ديزاد (Amir DZ)، على صفحته بموقع فيسبوك، لما قال إنها وثائق مسرّبة من داخل مؤسسة ميناء الجزائر، جدلًا واسعًا، بعدما تضمنت معطيات توصف بالخطيرة حول طريقة تسيير هذا المرفق العمومي الاستراتيجي، وما رافقها من اتهامات بوجود شلل مفتعل، وتضليل للرأي العام، وتبديد للمال العام.
وحسب ما ورد في مضمون الوثائق التي جرى تداولها، فإن ميناء الجزائر يشهد تراكمًا غير مسبوق للحاويات الفارغة، في وضعية وُصفت بغير الطبيعية، تزامن معها تضليل لمؤشرات الأداء الخاصة بمعالجة البواخر، ما أدى – وفق المصدر نفسه – إلى تحميل خزينة الدولة غرامات تأخير تُدفع بالعملة الصعبة، مع تسجيل خسائر مالية جسيمة قُدّرت بحوالي ملياري دولار.
عتاد متوفر… وتعطيل غير مبرَّر
الوثائق المنسوبة للتسريب تتضمن جداول جرد رسمية، وتواريخ اقتناء، وتكاليف شراء، ووضعيات تأمين، وتعريفًا دقيقًا بمعدات المناولة التابعة للمؤسسة. وتشير إلى وجود عشرات الرافعات والشاحنات الخاصة برفع الحاويات (Forklifts – Stackers – Tracteurs Ro/Ro)، من علامات عالمية معروفة مثل Kalmar وTerex وLinde وToyota، اقتُنيت خلال الفترة الممتدة بين 2007 و2016، وبمبالغ ضخمة بالعملة الصعبة، وهي معدات مؤمّنة ومسجّلة ضمن أملاك المؤسسة.
ورغم ذلك، تؤكد الوثائق أن بطء المعالجة ووقف شحن الحاويات الفارغة جرى تبريره رسميًا بـ“أعطال تقنية” و“نقص العتاد”، في حين تُظهر المعطيات أن العتاد موجود ومسجّل، وأن جزءًا منه صُنّف كـ“معطّل” دون وجود ما يثبت مكانه أو مساره أو حالته التقنية الفعلية، مع غياب تطابق واضح بين الجرد الورقي والواقع الميداني والتقارير التقنية.
قرارات إدارية وتبعات ثقيلة
وبحسب القراءة التي قدّمها ناشر الوثائق، فإن القيود المفروضة على شحن الحاويات الفارغة لم تكن نتيجة عجز تقني حقيقي، بل جاءت كنتيجة مباشرة لقرارات إدارية أدّت إلى تراكم غير طبيعي للحاويات، وتشويه مؤشرات الأداء، وإطالة مدة مكوث البواخر داخل الميناء، وما ترتب عن ذلك من غرامات تأخير باهظة.
كما تشير المعطيات إلى أن هذا الوضع دفع عددًا من المتعاملين البحريين الدوليين إلى تحويل بواخرهم نحو موانئ أجنبية منافسة، وعلى رأسها ميناء دبي، بسبب بطء المعالجة وارتفاع التكاليف داخل ميناء الجزائر، الأمر الذي انعكس سلبًا على قدرته التنافسية وسمعته كمرفق عمومي اقتصادي استراتيجي.
تناقض بين التصريحات والواقع
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الوثائق وجود اكتظاظ فعلي داخل الميناء، ووفرة في العتاد غير المستغل، نُقلت عن مسؤولين تصريحات إعلامية تؤكد “عدم وجود اكتظاظ” وأن “الميناء يعمل بقدراته الطبيعية”، وهو ما اعتبره ناشر الوثائق تناقضًا صارخًا بين الخطاب الرسمي والواقع الموثّق بالأرقام.
أسئلة مفتوحة
ما تكشفه هذه الوثائق، في حال ثبوت صحتها، يطرح مؤشرات خطيرة تتعلق بسوء تسيير جسيم، وتبديد محتمل للمال العام، وتضليل متعمّد، وتلاعب في التقارير التقنية، وعرقلة السير العادي لمرفق عمومي اقتصادي حيوي.
وفي انتظار أي توضيحات أو ردود رسمية من الجهات المعنية، يبقى السؤال المركزي الذي تطرحه هذه القضية:
أين العتاد؟ من عطّله؟ ولماذا دُفع ميناء الجزائر نحو هذا الشلل؟
أسئلة ثقيلة تضع ملف تسيير ميناء الجزائر أمام اختبار الشفافية والمساءلة.










