من بين الأسماء التي اختارت أن تشق طريقها بهدوء واتزان، بعيدًا عن الأضواء، معتمدة على العمل الجاد، والتراكم المهني، والرصانة العلمية داخل المشهد القضائي المغربي، يبرز إسم الدكتور مصطفى هيبي، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية ببني ملال، كأحد الوجوه القضائية التي راكمت تجربة متميزة، وجسّدت نموذج القاضي الذي يجمع بين قوة التكوين، ونبل الأخلاق، وسمو الإحساس بالمسؤولية.
ينتمي مصطفى هيبي إلى جيل من القضاة الذين آمنوا منذ البدايات بأن العدالة لا تُختزل في نصوص جامدة، بل تُبنى بالمعرفة، وتُصان بالممارسة اليومية، وتترسخ بالاستقامة والنزاهة. ولم يكن مساره المهني وليد الصدفة، بل ثمرة اختيار واعٍ للتكوين المستمر، والتدرج المسؤول داخل سلك القضاء، بعد تجربة أولى في مهنة المحاماة مكّنته من استيعاب عميق لتوازنات العمل القانوني، ومن فهم واقعي لإشكالات التقاضي من زوايا متعددة.
وقد شكّل التكوين الأكاديمي أحد الأعمدة الأساسية لهذا المسار، إذ واصل تحصيله العلمي باجتهاد لافت، فجمع بين التخصص في القانون الخاص، والاهتمام بمجال التحكيم والأحكام التجارية، قبل أن يتوّج هذا المسار بالحصول على دبلوم في التحكيم الدولي، ثم نيل شهادة الدكتوراه في موضوع دقيق ذي بعد مقارن، تناول فيه الإجراءات المسطرية للتحكيم التجاري الدولي. وهو اختيار علمي يعكس وعيًا مبكرًا بتحولات العدالة، وبأهمية انفتاح القضاء الوطني على المعايير القانونية الدولية، دون التفريط في الخصوصيات التشريعية الوطنية.
هذا الرصيد العلمي انعكس بشكل جلي على مساره داخل النيابة العامة، حيث راكم تجربة مهنية متدرجة عبر عدد من المحاكم، مكّنته من الإحاطة الدقيقة بتعقيدات العمل القضائي، ومن التعامل مع ملفات متنوعة بحكمة وتبصر. وقد أبان، خلال مختلف محطاته المهنية، عن قدرة لافتة على التوفيق بين الصرامة القانونية الواجبة، والمرونة التي تفرضها طبيعة بعض القضايا، في احترام تام لمبادئ الشرعية وحماية الحقوق والحريات.
داخل المحكمة الابتدائية ببني ملال، يُعرف وكيل الملك بأسلوبه الهادئ في التدبير، وبحضوره اليومي المسؤول، وحرصه الدائم على تتبع القضايا بجدية ودقة، بعيدًا عن أي ارتجال أو تسرع. وهو ما منح أداء النيابة العامة طابعًا من الانسجام والاستقرار، في ظل مقاربة تقوم على التنظيم، واحترام المساطر، وتكريس ثقافة المسؤولية.
ولا يقتصر حضور الأستاذ مصطفى هيبي على الجانب الإداري أو الزجري فحسب، بل يمتد إلى علاقته المهنية المتوازنة مع مختلف مكونات العدالة. فداخل أسرة القضاء، يحظى بتقدير القضاة، واحترام هيئة الدفاع، وثقة موظفي كتابة الضبط، بفضل أسلوبه القائم على التواصل، واحترام الأدوار، والإيمان الراسخ بأن العدالة منظومة متكاملة لا تستقيم إلا بتكامل مكوناتها. وهي علاقة تُبنى على العمل المشترك، وعلى الاقتناع بأن تجويد العدالة يبدأ من داخل المؤسسة، ومن مناخ مهني سليم يسوده الانضباط والاحترام المتبادل.
أما على المستوى الإنساني، فيجمع كل من اشتغل إلى جانبه على خصلة طيبوبته، وقربه من هموم الناس، وإنصاته الهادئ، وقدرته على استحضار البعد الإنساني في معالجة القضايا، دون أن يكون ذلك على حساب تطبيق القانون أو المساس بهيبة النيابة العامة. إنها إنسانية لا تتعارض مع الحزم، بل تمنحه بعدًا أخلاقيًا يعزّز الثقة في مؤسسة العدالة، ويجعلها أكثر قربًا من المواطن.
وبذلك، يقدّم مصطفى هيبي نموذج القاضي الذي يشتغل في صمت، ويؤمن بأن العدالة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى رجال دولة يؤدون واجبهم بنزاهة وتجرد، ويجعلون من القانون أداة للإنصاف، لا وسيلة للتشهير أو التصفية.
✍️ عزيز بنحريميدة
مدير نشر جريدة صوت العدالة

