ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير؛
إن المشهد الراهن الذي يطبع علاقة السادة المحامين بوزارة العدل حول مشروع القانون رقم 66.23، ليس مجرد خلاف عارض على نصوص إجرائية، بل هو “تمرين ديمقراطي” يعكس حيوية المجتمع المغربي. لذا، لا يمكن حصر هذه اللحظة في ثنائية “الغالب والمغلوب”؛ ففي قضايا العدالة، إذا خسر أحد الشركاء، خسرت العدالة بأكملها.
إننا أمام لحظة وطنية تقتضي التحرر من ضيق “الانتصار اللحظي” إلى رحابة “الأثر المستدام”.
أولا: المحاماة والدولة.. وحدة المصير لا صراع الإرادات:
إن حراك المحامين لم يكن يوما محاولة لـ “لي ذراع الدولة”، بل هو ممارسة لوظيفة المحاماة في “التنبيه القانوني”. فالدولة والمحاماة ليسا خصمين في حلبة، بل هما “جناحا طائر” واحد هو دولة الحق والقانون.
إن قوة الدولة تكمن في وجود مؤسسات مهنية قوية ومنتقدة، لأن “النقد المهني” هو الصمام الأمان الذي يمنع انزلاق القوانين نحو الجمود، ويضمن تلاؤمها مع الواقع المجتمعي.
ثانيا: “التوافق” كقيمة قانونية عليا (الأمن القضائي):
الانتصار الحقيقي ليس في فرض نص أو سحب آخر، بل في صياغة قانون يمثل “كلمة سواء”، ويحقق ثلاثية الأمن القومي للقضاء:
سيادة الدولة: عبر تحديث المنظومة بما يواكب العصر، دون المساس بالجوهر الحقوقي.
مناعة المحاماة: عبر تكريس الاستقلالية ليس كـ “امتياز” للمحامي، بل كـ “ضمانة” للمتقاضي؛ فالمحامي المستقل هو الذي يحمي القاضي من الخطأ، ويحمي المواطن من الشطط.
أمان المواطن: إنتاج “ثقة” عامة بأن القانون وُضع لخدمته لا لتقييده، وأن “حق الدفاع” هو حق أصيل لا يقبل التجزيء.
ثالثا: البعد الدولي والنموذج المغربي (الدبلوماسية القانونية):
تجويد القانون 66.23 بروح تشاركية ليس مجرد شأن داخلي، بل هو “بطاقة تعريف” للمغرب في المحافل الدولية. إن العالم لا ينظر إلينا من خلال نصوصنا فحسب، بل من خلال كيفية صناعة هذه النصوص.
وحين يتوافق المحامون مع دولتهم، فإنهم يبعثون برسالة طمأنة للمستثمر الوطني والأجنبي، وللمنظمات الحقوقية، بأن المغرب يمتلك “بيئة قانونية آمنة” ومستقرة، قائمة على الحوار لا على الصدام.
“رابعا: ميثاق العقلاء.. ما وراء النص”:
إن لغة “التعقل” ليست ضعفا، ولغة “التنازل المتبادل” هي أعلى درجات السيادة الوطنية.
إن الانتصار الوهمي الذي قد يغذيه “خطاب الشماتة” هو في الحقيقة “هزيمة جماعية” لثقة المواطن في مؤسساته.
يجب أن ننتقل من “معركة النصوص” إلى “معركة النفوس”؛ لكي يطبق القانون بروح من التعاون، لا بروح من التوجس والترصد.
إن المحامين والمشرع اليوم، وهم يرسمون معالم القانون 66.23، لا يكتبون موادا قانونية فحسب، بل يكتبون “تاريخ العدالة المغربية” للأجيال القادمة، فليكن قلمنا اليوم مداده الحكمة، وهدفه بناء صرح قضائي يليق بمغرب القرن الواحد والعشرين، حيث العدل هو الأسمى، والتوافق هو الأبقى.

