أبو إياد / مكتب مراكش
في سياق وطني يتجه نحو إعادة تعريف دور الإدارة في خدمة الاستثمار، تبرز جهة مراكش–آسفي كنموذج صاعد في هذا التحول، من خلال دينامية جديدة .فمنذ تعيينه مديراً جهوياً للمركز الجهوي للاستثمار بمراكش في أواخر شهر 2025، أطلق السيد محفوظ مساعد دينامية متجددة تقوم على مبادئ الجدية والنجاعة الإدارية، مدعومة برؤية واضحة ترتكز على العمل التشاركي مع مختلف مكونات منظومة الاستثمار.
وفي هذا الإطار، يلاحظ المتتبع أن المركز الجهوي للاستثمار لم يكتف بإطلاق جيل جديد من برامج مواكبة المقاولات، بل حرص أيضاً على ترجمة هذه الجهود إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. فقد اعتمد المركز نهجاً قائماً على التتبع اليومي والدقيق لدينامية الاستثمار، بما يتيح رصد تقدم المشاريع والتدخل في الوقت المناسب لمعالجة الإشكالات. كما واكب هذه الدينامية بإصدار بلاغات صحفية منتظمة، تُسلّط الضوء على حصيلة الأداء وتُعزز منسوب الشفافية، في تأكيد على تحول حقيقي نحو تدبير عمومي قائم على النتائج ويستجيب لتطلعات الفاعلين الاقتصاديين.
وفي سياق تعزيز قدرات الفاعلين الاقتصاديين، أطلق المركز برنامج “Marrakech Invest Academy”، الذي يقوم على تنظيم دورتين تكوينيتين شهرياً على مستوى كل إقليم من أقاليم الجهة، تتمحور حول مختلف المواضيع المرتبطة بالاستثمار، من قبيل التمويل، الإطار القانوني، الفرص القطاعية، وتدبير المشاريع، وذلك بتأطير من شركاء وطنيين ودوليين، في إطار مقاربة تشاركية قائمة على نقل المعرفة وتقوية الكفاءات.
وفي نفس السياق، برز برنامج Speed Finance كآلية مبتكرة وفعّالة لتيسير الولوج إلى التمويل، حيث يقوم على تجميع المؤسسات البنكية وصناديق الاستثمار في فضاء واحد، لتمكين حاملي المشاريع من عرض ملفاتهم بشكل مباشر وسريع، وفق لقاءات منظمة تتيح دراسة الطلبات بشكل فوري وتقديم توجيهات عملية، بما يعزز النجاعة ويختصر الزمن الإداري.
وفي هذا الصدد، أكد أحد المستثمرين المحليين أن “المبادرات التي أطلقها المركز الجهوي للاستثمار تعكس تحولاً ملموساً في منهجية التدبير، حيث ساهمت في تبسيط المساطر وتسريع معالجة الملفات، في إطار مقاربة تقوم على النجاعة والاستجابة الفورية لانتظارات المستثمرين”.
كما أبرز أحد الفاعلين الاقتصاديين بالجهة أن “الدينامية الجديدة التي يشهدها المركز الجهوي للاستثمار ساهمت في تعزيز منسوب الثقة في الإدارة، من خلال ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وتكريس آليات التنسيق والتواصل المؤسساتي بين مختلف المتدخلين في منظومة الاستثمار”.
بالإضافة إلى هذه البرامج، شكلت “اللقاءات الرمضانية للاستثمار” محطة نوعية لتعزيز الحوار المؤسساتي، حيث جمعت مختلف المتدخلين من قطاع عام وخاص حول قضايا استراتيجية تهم مناخ الأعمال، وأسهمت في ترسيخ ثقافة التنسيق والتقائية الجهود بين الفاعلين.
وفي نفس المنطق التشاركي، تندرج الزيارة المرجعية إلى طنجة، والتي مكنت من الاطلاع على أفضل الممارسات الوطنية في مجال تطوير المنصات الصناعية واللوجستية، في إطار عمل جماعي قائم على تبادل الخبرات وتعزيز التنافسية الترابية.
ولم تغب روح الابتكار عن هذه الدينامية، حيث عرف تنظيم “هاكاثون “الذاكرة، التراث، الابتكار والاستثمار”إ قبالاً غير مسبوق، بتسجيل أكثر من 500 مشروع، ما يعكس حجم الدينامية والطاقات الكامنة لدى الشباب والمقاولين، ويبرز دور الابتكار كرافعة أساسية لتجديد العرض الاستثماري.
كما تعززت جهود الترويج الترابي وجاذبية الجهة من خلال إطلاق طلبات إبداء الاهتمام المتعلقة بالمناطق الصناعية، بهدف استقطاب مشاريع نوعية وذات قيمة مضافة. وتم دعم هذه الدينامية بتعزيز حضورها الإعلامي والترويجي من خلال المشاركة في البرنامج التلفزيوني «من قلبي لجهة»، إلى جانب الانخراط في تظاهرات وازنة، من بينها المعرض الدولي لزيت الزيتون بقلعة السراغنة، ومعرض GITEX، وكذا المعرض الدولي للصناعة الفندقية، بما يساهم في إبراز المؤهلات الاقتصادية للجهة وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية.
هذه المبادرات، بمختلف أبعادها، تؤكد أن التحول الذي يشهده المركز الجهوي للاستثمار بمراكش لا يقتصر على تحسين المساطر، بل يشمل بناء منظومة متكاملة قائمة على التعاون، والالتقائية، والنجاعة في خدمة المستثمر، بما يعزز موقع جهة مراكش-آسفي كقطب استثماري واعد.
ولا يُنظر إلى هذه الدينامية إلا كبداية لمسار إصلاحي متواصل، رغم التحديات التي تواكب هذا التحول الإيجابي، وفي مقدمتها محدودية الفضاء الحالي للمركز الجهوي للاستثمار، الذي لم يعد ملائماً لحجم المهام الجديدة ولا لوتيرة استقبال المستثمرين وفق معايير الجودة والنجاعة. كما يظل عامل الموارد البشرية من بين الإكراهات المطروحة، في ظل محدودية الأطر مقارنة بتزايد حجم الملفات وتنوعها. غير أن هذه التحديات تشكل في الآن ذاته حافزاً لمواصلة تطوير الأداء وتعزيز القدرات.

