صوت العدالة- عبد الكبير الحراب
تتواصل بغرفة جرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء جلسات الاستماع إلى مرافعات هيئة الدفاع في ما بات يُعرف إعلامياً بملف “إسكوبار الصحراء”، الذي يتابع فيه كل من سعيد الناصري وعبد النبي البعيوي، إلى جانب متهمين آخرين، وسط نقاش قانوني حاد حول حجية الأدلة وتماسك الاتهامات.
وفي هذا السياق، واصل الأستاذ المسكيني مرافعته، مستهلاً تدخله بتصحيح ما ورد على لسانه خلال جلسة سابقة، موضحاً أن الإشارة إلى “الحاج بنبراهيم” جاءت على سبيل الخطأ، وأن المقصود كان “أحمد أحمد”، وذلك بخصوص تفسير بعض التحويلات المالية، حيث أدلى بإشهاد رسمي يحدد بدقة الفقرات المعنية في المحضر.
وعلى مستوى المعاملات البنكية، قدم الدفاع وثائق صادرة عن بنك أفريقيا تفيد بعدم وجود الحساب البنكي المنسوب لزكرياء الناصري خلال الفترة التي تحدث عنها المشتكي، مبرزاً أن الحساب لم يكن نشطاً بشكل دائم، كما عرف رصيداً مديناً. وبالموازاة، عرض كشفاً مفصلاً لحساب سعيد الناصري يمتد على عشر سنوات، معتبراً أن هذه المعطيات لا تعكس وجود تدفقات مالية ضخمة كما تم الترويج له.
وفي ما يتعلق بملف السيارات، أدلى الدفاع بعدة إشهادات تؤكد أن عملية نقل السيارات لم تتم بالطريقة التي وردت في محاضر الضابطة القضائية، بل تمت عبر شاحنة تعود لشخص آخر، مع تقديم شهادات من المعنيين بالأمر، من بينهم مالك المحل وابن المهدوب، في محاولة لإثبات رواية مغايرة للمعطيات الرسمية.
كما توقف الدفاع عند وضعية الكاتبة الإدارية السابقة لفريق الوداد، موضحاً أنها غادرت عملها سنة 2019 وليس 2023 كما ورد في الملف، معتبراً أن هذا التناقض يعزز فرضية وجود خلل في بعض المعطيات المعتمدة في المتابعة.
من جهته، أعلن الأستاذ المسعودي، مؤازراً للناصري، تبنيه الكامل لمرافعات زملائه، مؤكداً أن الملف لا يهم طرفاً واحداً، بل يشمل عدة أطراف بدرجات متفاوتة من المسؤولية، مشدداً على أن الهدف من المرافعات هو “إخراج تصريحات المشتكي من دائرة التخمين إلى دائرة الواقع”.
وانتقدت هيئة الدفاع أمر الإحالة، معتبرة أنه اعتمد بشكل شبه كلي على محاضر الضابطة القضائية دون تقديم عناصر جديدة خلال مرافعة النيابة العامة، التي اكتفت، حسب الدفاع، بإعادة سرد نفس الوقائع مع الإشارة إلى بعض التناقضات.
وفي الجانب القانوني، شدد الدفاع على أن المحاكمة يجب أن تُبنى على أدلة قوية ومترابطة، طبقاً لمقتضيات المادتين 286 و287، مؤكداً أن جزءاً مهماً من الحجج التي تم عرضها أمام المحكمة، خاصة الشهادات المؤداة تحت اليمين، لم يتم أخذه بعين الاعتبار.
كما أثار الدفاع مسألة الاعتماد على تصريحات الحاج بنبراهيم، معتبراً أن شهادة متهم ضد متهم آخر لا يمكن أن تكون أساساً للإدانة دون قرائن مادية داعمة، خصوصاً في ظل ما وصفه بتناقضات واضحة ووجود مصلحة شخصية.
وتوقف الدفاع عند التعديلات القانونية الأخيرة، التي قلّصت من القوة الثبوتية لمحاضر الضابطة القضائية، لتصبح مجرد عناصر استئناس، وهو ما يفرض، حسب قوله، إعادة تقييم طبيعة الأدلة المعتمدة في الملف.
وبخصوص التهم المرتبطة بالنصب والتزوير، أكد الدفاع أن أركان هذه الجرائم غير متوفرة، مبرزاً غياب القصد الجنائي وسوء النية، إضافة إلى انعدام الضرر، وهو ما يتعارض مع مقتضيات المادتين 351 و354 من القانون الجنائي، اللتين تشترطان تغيير الحقيقة ووقوع ضرر فعلي.
وفي هذا الإطار، تساءل الدفاع عن الأساس القانوني لاتهام موكله بالتزوير، في ظل وجود عقد رسمي موثق ومسجل يتعلق ببيع فيلا، مستوفٍ لجميع الشروط القانونية، دون أي تغيير في الحقيقة أو مساس بحقوق الغير، مؤكداً أن الملكية انتقلت وفق المساطر القانونية لعقار محفظ، ما ينفي وجود أي ضرر.
كما شكك الدفاع في رواية شراء الفيلا بمبلغ 33 مليون درهم، معتبراً أن هذا الادعاء غير منطقي، ومشيراً إلى أن القيمة الحقيقية المصرح بها في عقد البيع لا تتجاوز ملياراً و600 مليون سنتيم، وهو المبلغ الذي أكده الناصري.
وفي سياق متصل، أكد الدفاع أن المشتكي كان على علم مسبق بوضعية العقار ومالكيه الحقيقيين، مستشهداً بمحاضر استماع وتصريحات لشهود، من بينهم الفنانة لطيفة رأفت، التي أكدت أن الحديث حول الفيلا جرى في إطار واضح ومعلوم بين الأطراف.
أما فيما يتعلق بتهم الاتجار في المخدرات، فقد شدد الدفاع على غياب أي دليل مادي يربط الناصري بهذه الأنشطة، مبرزاً أن جميع المعطيات جاءت على لسان الحاج بنبراهيم دون دعم بقرائن ملموسة، كما أن المتهم لم يُذكر في مختلف مراحل التحقيق السابقة كفاعل أو منسق في تلك العمليات.
وأشار الدفاع إلى أن عدداً من الأشخاص الذين تم تقديمهم كمنسقين أو شركاء في هذه الأنشطة، سبق أن صدرت في حقهم أحكام بالبراءة عن مختلف درجات التقاضي، بما فيها محكمة النقض، معتبراً أن إدانة أشخاص بناءً على “العنعنة” أو الاستنتاجات أمر لا يستقيم قانوناً.
وفي ما يخص الأموال والتحويلات البنكية، أوضح الدفاع أن الناصري صرح بجميع مصادر أمواله، وقدم وثائق وإشهادات تحدد مصدر كل مبلغ، بل وطلب الاستماع إلى أشخاص معينين لتوضيح هذه التحويلات، غير أن طلبه قوبل بالرفض، رغم تقديم شكايات رسمية في هذا الصدد.
كما اعتبر أن طبيعة المهام التي تقلدها الناصري، كبرلماني لعدة ولايات ورئيس لفريق رياضي كبير ورئيس مجلس عمالة، تبرر حجم المعاملات المالية التي تمر عبر حساباته.
وفي ختام مرافعته، انتقد الدفاع قرار مصادرة أموال وممتلكات موكله، معتبراً أنه جاء دون تعليل كافٍ، خاصة في غياب إثبات واضح لكونها متحصلة من أنشطة غير مشروعة.
وبناءً على مجمل هذه الدفوعات، التمست هيئة الدفاع التصريح ببراءة موكليها، معتبرة أن الأصل هو البراءة، وأن الملف، في صيغته الحالية، لا يستند إلى أدلة كافية لإدانة المتهمين.

