مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقضاة وموظفي السلطة القضائية: بين الواقع والمأمول.

Aziz Benhrimida

في تحول بارز داخل منظومة العدالة المغربية، صادَق مجلس الحكومة في 17 يوليوز 2025 على مشروع القانون رقم 28.25 المتعلق بإحداث وتنظيم مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقضاة وموظفي السلطة القضائية، تحت الرئاسة الشرفية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، في تجسيد للعناية المولوية السامية التي ما فتئ جلالته يوليها لأسرة القضاء.

ولا يفوت في هذا السياق التنويه بالدور البارز للسيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبالجهود الجليلة التي بذلها المجلس في مواكبة هذا الورش، بحكمة مؤسساتية وبعد استراتيجي مكَّن من توفير الأرضية التنظيمية السليمة لإطلاق هذه المؤسسة في إطار من الحكامة والمسؤولية.

ويندرج هذا المشروع في سياق تأهيل الهندسة الاجتماعية لأسرة العدالة، انسجامًا مع مبدأ استقلال السلطة القضائية الذي كرّسه دستور 2011، ومع متغيرات تنظيمية كبرى عرفتها منظومة العدالة، أبرزها استقلال قطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج عن وزارة العدل منذ 2008، ما استدعى تمييزًا تشريعيًا واضحًا بين الخدمات الاجتماعية المقدّمة لمختلف فئات مهنيي العدالة.

وعلى مستوى القاعدة القانونية والتنظيمية، ينص الظهير الشريف رقم 1.25.75 الصادر في 22 يناير 2026 على إحداث المؤسسة بصفتها هيئة غير ربحية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، يكون مقرّها بالرباط، وتُعنى بتقديم وتنمية الخدمات الاجتماعية لفائدة أعضائها، وهم القضاة وموظفو السلطة القضائية وأسرهم، من قبيل الصحة، النقل، السكن، التمدرس والترفيه وغيرها من الخدمات الاجتماعية.

غير أن واقع تقديم الخدمات الاجتماعية في قطاع العدالة، قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، كان يعكس تحديات إداريّة وهيكلية عديدة؛ فقد أشار تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى اختلالات في تدبير الأعمال الاجتماعية ضمن المرحلة الانتقالية السابقة، تمثّلت في صعوبات نقل الأملاك، ضعف الضبط المحاسبي، تعثرات في تنفيذ الاستثمارات الاجتماعية، وتفاوتات في جودة الخدمات المقدّمة. كما سجل التقرير معطيات كمية مهمة مثل ديون زبائن بملايين الدراهم، وعجز سنوي متكرّر في بعض مرافق الاصطياف، وخدمات نقل يستفيد منها آلاف المنخرطين، ما ثبت معه أن الحاجة إلى إصلاح شامل في الهيكلة والتنظيم كانت ملحّة وضرورية.

وفي المقابل، يحمل القانون الجديد آمالًا متجددة في أن تكون المؤسسة رافعة اجتماعية متقدمة، عبر منظومة حوكمة واضحة تتضمن مجلس توجيه ومراقبة ومديرًا عامًا، منابع مالية قانونية مستقرة، وباقة خدمات اجتماعية موسعة تلائم خصوصيات الفئات المعنية. والمطلوب اليوم هو الانتقال من النص التشريعي إلى تنزيل إداري ومالي ورقمي فعّال، يتطلب اعتماد منظومة لتقييم الأثر، وضمان تمثيلية شفافة للقضاة داخل أجهزة اتخاذ القرار، وترسيخ قواعد إنصاف في الاستفادة من الخدمات على مستوى مختلف الجهات.

وهنا يكمن الرهان الحقيقي في الفترة التأسيسية للمؤسسة: ألا يتم تكرار تكاليف الانتقال المؤسسي التي وثّقها تقرير المجلس الأعلى للحسابات في التجربة السابقة، وذلك عبر حسم ترتيبات نقل الأصول والالتزامات بسرعة، تثبيت قواعد مالية ورقابية عملية، رقمنة الإجراءات، توحيد المعايير، وبناء تعاقد خدماتي مع المنخرطين قابل للقياس والمساءلة. فنجاح هذه المؤسسة لا يقاس فقط بوجود النص القانوني، بل بمدى قدرة آلياتها التنفيذية على تقديم خدمات اجتماعية فعّالة ومستدامة تعكس تطلعات الجسم القضائي المغربي.

في الختام، يمكن القول إن إحداث مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقضاة وموظفي السلطة القضائية يمثل خطوة نوعية في بناء منظومة اجتماعية متقدمة داخل قطاع العدالة، غير أن ترجمة هذه الخطوة إلى واقع ملموس يتطلب إرادة تنظيمية قوية، مراقبة فعّالة، ومقاربة تشاركية تضمن أن تخدم المؤسسة بفاعلية من أُمِلت إليهم منخرطيها، مع الإشادة المستمرة بما يبذله المجلس الأعلى للسلطة القضائية من جهود رصينة لضمان نجاح هذا الورش الاجتماعي الواعد.