صوت العدالة- بديعة الراضي
في قراءتي الأولى لتدخل الأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد اللشتراكي للقوات الشعبية لا يمكن اختزال مواقفه في مجرد تفاعل ظرفي مع أسئلة برنامج ديكرباج على إذاعة MFM، بل يتضمن خلفها تصور متكامل لمعنى الاشتراكية في زمن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. اشتراكية لا تعرف بذاتها ضد غيرها، ولا تنغلق داخل حدود إيديولوجية صلبة، بل تعيد بناء مشروعها انطلاقا من سؤال مركزي: _كيف يمكن للدولة أن تكون قوية بمؤسساتها، وعادلة في نفس الآن في توزيع ثمار التنمية؟
هذا الفهم يضع الاشتراكية في قلب التوتر القائم اليوم بين نموذجين: نموذج يسعى إلى تعظيم منطق السوق ولو على حساب التماسك الاجتماعي، ونموذج آخر يرفع شعارات العدالة دون امتلاك أدوات واقعية لتحقيقها. بين هذين الأفقين، يقترح الاستاذ ادريس لشكر مسارا ثالثا، قوامه الإبداع داخل الإيديولوجيا، أي تحويل الاشتراكية من خطاب احتجاجي إلى مشروع تدبيري قادر على التفاعل مع الإكراهات دون التفريط في الأهداف.
من هنا تكتسب الإشارة إلى تجربة التناوب، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، معناها العميق. فاستحضار القرارات التي وصفت بالليبرالية لا يأتي لتبريرها بقدر ما يأتي لتأكيد أن الاشتراكية، في لحظات مفصلية، قد تختار أدوات غير تقليدية من أجل حماية الدولة والمجتمع معا. لقد كان الرهان آنذاك هو إنقاذ التوازنات وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار، وهو نفس الرهان الذي يعود اليوم بصيغ جديدة أكثر تعقيدا.
إن ما يطرحه هذا التصور هو أن معركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليست فقط سياسية، بل هي أيضا مجتمعية، تتمثل في الحد من ظاهرة “مغرب السرعتين”، حيث تتسع الفجوة بين فئات ومجالات ترابية مختلفة. وهذه المعركة لا يمكن كسبها بخطاب شعبوي أو بوعود مجردة، بل ببناء مؤسساتي صلب يضمن تكافؤ الفرص، ويعيد توزيع الإمكانات بشكل عادل، ويؤسس لثقة جديدة بين الدولة والمجتمع.
في هذا السياق، يصبح الدفاع عن التعيينات الملكية الأخيرة في قطاع الصحة جزءا من رؤية أوسع، قوامها أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق فقط عبر السياسات، بل أيضا عبر جودة النخب التي تدبر هذه السياسات. فالدولة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم بدون دولة مؤسسات، والعكس صحيح؛ إذ لا معنى لمؤسسات قوية إذا لم تكن موجهة لخدمة المواطن وتقليص الفوارق.
إن الاشتراكية، كما تتجلى في هذا الطرح، ليست مجرد انحياز طبقي تقليدي، بل هي مشروع توازن دقيق بين الفعالية الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي. مشروع يسعى إلى تجاوز الثنائية الزائفة بين “دولة قوية” و”دولة اجتماعية”، عبر بناء نموذج يزاوج بينهما: دولة قادرة على فرض القانون وضمان الاستقرار، وفي الآن ذاته دولة حاضنة تضمن الكرامة والحماية الاجتماعية.
بهذا المعنى، فإن مخرجات هذا الحوار تفتح أفقا جديدا لفهم دور الاتحاد الاشتراكي في المرحلة الراهنة، ليس كحامل لذاكرة سياسية فقط، بل كفاعل قادر على تجديد أدواته وخطابه من أجل مواكبة التحولات. إنها دعوة إلى إعادة التفكير في الاشتراكية كقوة اقتراحية، تشتغل من داخل المؤسسات، وتؤمن بأن الإصلاح الحقيقي لا يتم بالصدام مع الدولة، بل بتقويتها وتوجيهها نحو خدمة الصالح العام، بما يحد من الفوارق ويؤسس لمغرب أكثر تماسكا وعدلا.

