هناك لحظات في حياة الإنسان لا يمكن للزمن أن يمحوها أو يخفف من وقعها، لحظات تتحول إلى جزء من الذاكرة العميقة للروح. ومن بين تلك اللحظات يظل يوم 21 أكتوبر 2019 محفورًا في قلبي، اليوم الذي فقدت فيه أبي الغالي، ووقفت إلى جانبه أبكيه بحرقةٍ لا توصف.
في تلك اللحظة، كنت أتأمل وجهه المضيء بسكينة غريبة، هدوء يشبه هدوء النائم، وكأن الحياة لم تغادره بعد. ظللت أترقب أي حركة، أي نفس، أي إشارة تعيد الأمل إلى قلبي، لكن الصمت كان أبلغ من كل الكلمات، وكان الفقد حقيقة لا يمكن إنكارها.
ومن بين ذلك الصمت خرجت قبلة الوداع، قبلة على جبينه البارد حملت كل مشاعري معه. لم تكن مجرد لحظة وداع عابرة، بل كانت عهدًا بالوفاء ورسالة حب أخيرة تُرسلها الروح حين تعجز الكلمات. حينها أدركت أن الفقد ليس مجرد غياب جسد، بل هو غياب السلام من القلب، وتركه فراغًا لا يملؤه شيء.
ومع مرور الأيام، أدركت أن الأب لا يختصر في حضوره المادي فقط، بل هو ذاكرة ممتدة في تفاصيل الحياة. الأب هو الظل الذي يمنح الطمأنينة، وهو الجذر الذي يثبت أبناءه حين تعصف بهم رياح الحياة. هو العين التي تبارك خطواتنا، والابتسامة التي تمنحنا الثقة بأننا نسير في الطريق الصحيح، واليد التي، وإن غابت، يبقى أثرها حاضرًا في كل ما نفعل.
وحين يغيب الأب، لا يغيب شخص فحسب، بل يغيب جزء من المعنى، وتفقد الحياة شيئًا من دفئها وأمانها.
وبين ألم الفقد ورجاء اللقاء، لا يبقى للقلوب سوى الدعاء، فهو اللغة التي لا تعجز أبدًا:
اللهم ارحم أبي الغالي رحمةً واسعة تسع السماوات والأرض، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واملأه نورًا ونعيمًا وسلامًا، واجمعني به وبآبائنا جميعًا في جناتك يا أرحم الراحمين.
رحم الله كل الآباء الذين غابوا عن أعيننا وبقوا أحياء في قلوبنا وذكرياتنا.


