قراءة مقاصدية في دورية الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حول تهييئ القضايا لمرحلة ما بعد رفع حالة الطوارئ الصحية

نشر في: آخر تحديث:

أصدر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسطلة القضائية منشورا بتاريخ 14/04/2020 تحت عدد 119/03 يحث فيه السادة المسؤولين القضائيين و القضاة على الاستعداد لمرحلة ما بعد جائحة كرونا ، وهو الكتاب الذي خلف ردود فعل من طرف جمعية مهنية و أخرى غير مهنية تتساءلان فيه عن مدى دستوريته ، و مشروعيته ، وطالبت فيه إحداهما من الجهة المصدرة للبيان إصدار توضيح في ذلك لما قد يشكله البيان من لبس ويمس بالتالي على حق المواطن في حكم عادل داخل أجل معقول، وهي الضمانات التي كرسها المشرع الدستوري في دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
ولمناقشة هذا الموضوع اخترت تقسيمه لثلاث فقرات الأولى حول مشروعية المنشور و الثانية حول أهميته و الثالثة حول آليات تنزيله.
أولا مشروعية القرار:
لتوضيح دستورية و مشروعية المنشور يجب التوضيح أن الرئيس المنتدب بصفته المخاطب الرئيسي للسادة القضاة بعد الملك له أن يتواصل مع المسؤولين القضائيين و السادة القضاة بواسطة مناشير لاسيما في الشق المتعلق بتدبير الزمن القضائي و النجاعة القضائية وكل ما له علاقة بالتدبير الإداري و حتى القضائي طالما لم يقع مساس باستقلال القاضي ، بحيث ينص الفصل 113 من دستور المملكة المغربية أن المجلس الأعلى للسطلة القضائية يصدر التوصيات اللازمة بشأن وضعية العدالة و منظومة العدالة ، وهو مقتضى أريد به بكل تأكيد مواكبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية لعمل السادة القضاة و المسؤولين القضائيين ، بحيث إن دور هذه المؤسسة الدستورية لا يقتصر فقط على الترقية و التأديب بل يتجاوز ذلك بشكل كبير و يمتد للتأطير و التوجيه بطبيعة الحال بشكل لا يتنافى مع استقلال القاضي كفرد بحيث لا يمكن لأي جهة كانت طبقا للفصل 109 من الدستور من التدخل فقط في القضايا المعروضة على القضاء. و هو المقتضى الذي لم ينص على منع الجهة الوصية من تطوير طريقة تدبير الزمن القضائي وفق آليات الحكامة.
إضافة لذلك فالرئيس الأول لمحكمة النقض يجمع بين صفتين صفة أولى وهي الرئيس الأول حسب ما يستفاد من الفصل 115 من دستور المملكة المغربي والذي جاء فيه ” يرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويتألف هذا المجلس من: – الرئيس الأول لمحكمة النقض، رئيسا منتدبا ثم باقي الأعضاء ، وهما صفتين لاسيما بصفته رئيسا أولا لمحكمة النقض تعطيه إشرافا مباشرا على السادة المسؤولين القضائيين وبالتبعية إشراف على السادة القضاة ، وهو الإشراف المكرس قانون بمقتضى التنظيم القضائي الساري النفاذ في الفصل 15 منه بحيث أعطى للسيد الرئيس الأول لمحكمة النقض الإشراف على رؤساء الغرف و المستشارين بمحكمة النقض و الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف و الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف التجارية و الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف الإدارية و السهر على حسن سير مصالح كتابة الضبط بمحكمة النقض .
وبالرجوع حتى للتجارب المقارنة فبلجيكا مثلا يختص المجلس الأعلى للقضاء بإصدار آراء و مقترحات تتعلق بتسيير و تنظيم المحاكم كما أن الدستور الإسباني حسب بعض الباحثين منح المجلس الأعلى للسلطة القضائية سلطة تسيير القضاء بنص الفصل 122/2 كما هو الشأن في بلغاريا بحيث يظهر المجلس الأعلى للسطة القضائية بمثابة الحائز الرئيسي للصلاحيات الإدارية كما أن بعض الدول كالدنمارك و هنغاريا ارلندا و السويد تمنح للمجلس الأعلى للسلطة القضائية إدارة و تسيير المحاكم كذلك.
والحقيقة أن الجمعيتين المصدرتين للبيان لم يوفقوا في التمييز بين الإدارة القضائية والعمل القضائي فالأول يختص بها كما تم توضيحه المسؤولين القضائيين ويدخل فيه كل ما يتعلق بالحكامة داخل المحاكم من تدبير عقلاني للزمن القضائي وحرص المسؤولين القضائيين على عدم التراخي في تجهيز الملفات و الإشراف حتى على جودة الأحكام و تنظيم موائد مستديرة لتوحيد العمل القضائي داخل المحاكم وحث القضاة على قراءة ملفاتهم قبل الجلسات و النطق بالأحكام و هي محررة . ثم العمل القضائي الذي هو استقلال القاضي كفرد عند حجزه لملفه للتأمل أو المداولة في البت فيه وفق ما يقتضيه القانون ..
وبالتالي نخلص من كل ما سبق بيانه فمنشور الرئيس المندب يخضع للقواعد الدستورية و القانونية الجاري بها العمل وليس فيه أي تدخل في عمل القاضي و استقلاله.
ثانيا أهمية القرار :

أولا قبل تحديد أهميته العملية لابد من الإشارة أن المنشور هو الاعتراف و الشكر والتنويه الخاص الوحيد الذي حصل عليه السادة القضاة جميعا لتقيدهم بالمنشورات الصادرة عن مؤسستهم الرسمية بل نوه بشكل خاص بالقضاة العاملين ووصفهم بالمرابطين وهو وصف يعكس طبيعة الظرفية والمعركة التي تجتازها المملكة و التي أبانت السلطة القضائية أنها كانت في مستوى الحدث رئاسة و نيابة عامة.
وبالرجوع للمنشور و انطلاقا دائما من نص الدستور لاسيما الفصل 118 منه و الذي يعتبر حق التقاضي ممنوح للجميع و الفصل 120 الذي يعطي للمواطن الحق في محاكمة عادلة وحقه في الحصول على حكمه داخل أجر معقول.
و بالرجوع كذلك لعدد الأحكام الصادرة سنة 2019دون احتساب الرائج و ، فحسب كلمة السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض بمناسبة افتتاح السنة القضائية لسنة 2020 فمجموع المحاكم المغربية دون احتساب محكمة النقض أصدرت 3172653 حكما و قرارا أي بمعدل 264387.75 ملف بالشهر و بما أن أغلب الجلسات متوقفة بسبب جائحة كرونا لمدة ستفوق الشهرين بعدما تم تمديد حالة الطوارئ الصحية لغاية 20 ماي 2020 فبالإضافة للملفات الرائجة و المخلفة ستجد المحاكم نفسها متأخرة على الأقل بنسبة 528775.5 ملفا وهو معدل ما يتم حكمه في شهرين دون احتساب الملفات التي سبق للسادة القضاة حجزها للمداولة أو التأمل و تم تمديدها ، مع الأخذ بعين الاعتبار التصاعد المستمر في القضايا المسجلة من سنة لأخرى و الذي يعد مؤشر على ثقة المواطن في العدالة ، و مع الأخذ أيضا بعين الاعتبار أن عدد قضاة الموضوع لا يتعدى 2851 قاضيا ، و الأهم من ذلك كله فمباشرة بعد رفع حالة الطوارئ سيلجأ المواطنون لحقهم الممنوح لهم في الفصل 118 وستفتح آلاف الملفات دفعة واحدة و هو ما سيؤثر بكل تأكيد على حق المواطن الممنوح له في الفصل 120 في الحق في محاكمة عادل داخل أجل معقول.
وبالتالي أعتقد أني بسطت بما فيه كفاية حجم المسؤولية و حجم الرهان الذي يقع على عاتق السادة القضاة وهي المنطلقات التي أعتقد كانت سببا في منشور الرئيس المنتدب ـوبالتالي فأي تدبير أمثل لهذه الظرفية يجب أن يكون من طرف السادة القضاة ؟ هذا ما سأقوم بتبيانه في الفقرة الثالثة.
آليات تنزيل قرار الرئيس المنتدب
بالرجوع دائما لمنشور السيد الرئيس المنتدب يتضح أنه دعا للاستعداد المسبق لمواجهة جميع التحديات بواسطة كافة السبل القانونية – أسطر على كلمة القانونية- و الإدارية المتاحة وفق مقاربة تشاركية و ذلك من أجل أداء الواجب بسلاسة وانسيابية و حكامة وسد أي منفذ للتعثر أو التأخير أو التراكم في العمل و الخدمات القضائية وهي كلها إجراءات لحماية حق المتقاضي في الحصول على حكم داخل أجل معقول وهي إجراءات ستتخذ في إطار المشروعية و بصفة علنية و في جلسة منعقدة قانونا ليس كما خيل لبعض الجمعيات بأن المحاكم ستصدر أحكاما في غيبة الأطراف و دون علمهم بالإجراءات مما سيفوت عليهم حق الطعن الذي أصلا تم ايقاف آجاله بنص القانون باستثناء قضايا المعتقلين.
وبالتالي مواكبة لمنشور السيد الرئيس المنتدب فالمستشارين المقررين بمحكمة النقض مدعوون لقراءة ملفاتهم وتجهيز أكبر عدد ممكن الملفات عن طريق تحرير مشاريع أحكام تم طرحها للمداولة في أقرب جلسة قانونية ممكنة استعدادا للكم الهائل من الملفات التي ستحال و تحال على محكمة النقض مستقلا.
المستشارين في محاكم الاستئناف يجب عليهم النطق بالأحكام المحجوزة سلفا للمداولة محررة في أول جلسة علنية قانونية ممكنة و قراءة جميع ملفاتهم و تحرير وقائعها جميعا و تحرير مشاريع قرارات بخصوص الملفات الجاهزة بعد التنسيق مع باقي أعضاء الهيئة و النطق بها محررة بعد المداولة في أول جلسة قانونية ممكنة و حجزها لآخر الجلسة بعد استنفاد جميع الإجراءات القانونية بشأنها بشكل علني.
القضاة في المحاكم الابتدائية عليهم النطق بالأحكام و القرارات المحجوزة للتأمل و المداولة في أقرب جلسة قانونية ممكنة لآخر الجلسة و هي محررة ، ثم على جميع القضاة سواء القضاء الفردي أو الجماعي قراءة ملفاتهم المدرجة بالجلسات و بعد التنسيق و دون الإضرار بحقوق الدفاع فرز الملفات الجاهزة و تحرير مشاريع أحكام وقرارات بشأنها ثم عرضها للمداولة بعد أول جلسة قانونية ممكنة ثم النطق بها و هي محررة لآخر الجلسة وبخصوص الملفات غير الجاهزة تحرير وقائعها و إن أمكن مشروع حكم بشأنها في أفق النطق بها محررة لآخر الجلسة أو أسبوع على أبعد تقدير.
وبواسطة هذه الإجراءات سنعمل على القضاء على الرائج لإعطاء المسجل حقه في الدراسة و التحليل ولن تتراكم الملفات و سيحصل المواطن على حقه في حكم عادل داخل أجل معقول و هو الهدف من وراء كتاب الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وأعتق أن باقي المتدخلين في العدالة يجب عليهم الانخراط في هذا الورش و الاستعداد بدورهم من الآن للمعركة المقبلة .
قبل الختام أود أن أهمس في أذن المكتب التنفيذي لجميعة عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة ، هل الحق في محاكمة عادلة و استقلال القضاء يدخل ضمنه توجيه القضاء و حثه على اعتبار جائحة كرونا قوة قاهرة كما جاء في الفقرة ما قبل الأخيرة من7 بيانكم ؟ لا أدري أي من الأمرين يعد تدخلا في القضاء منشور السيد الرئيس المنتدب الدستوري الحقوقي ، أم بيان جمعية غير مهنية تملي على القضاء ما يجب فعله في نوعية محددة من الملفات ؟…
وليد الطلــــــــــبي
قاضي بالمحكمة الابتدائية بوادي زم

اقرأ أيضاً: