يُعدّ المسار القضائي الممتد لأكثر من واحد وأربعين سنة الذي راكمه الأستاذ محمد ويكة مثالًا تطبيقيًا لما يُصطلح عليه في الفقه القضائي بـ التجربة القضائية التراكمية المنتِجة، أي تلك التي لا تختزل الممارسة في بعدها الزمني، بل تُحوّل الامتداد المهني إلى وعي قانوني مركّب، وإلى قدرة منهجية على استيعاب النص القانوني في علاقته بوظيفته الدستورية والمؤسساتية.
إن خصوصية هذه التجربة لا تكمن فقط في مدتها، وإنما في تدرّجها الوظيفي داخل مختلف مكونات البنية القضائية، من قضاء النيابة العامة، إلى قضاء الحكم بمختلف شعبه، خاصةً قضاء الاستعجالي، قبل تحمّل مسؤولية رئاسة قسم قضاء الأسرة. وهو تدرّج يُجسّد عمليًا مبدأ وحدة الوظيفة القضائية، ويُتيح للقاضي إدراك آليات اشتغال العدالة في شموليتها، لا من زاوية وظيفية ضيقة.
لقد شكّل الاشتغال داخل قضاء النيابة العامة المرحلة التأسيسية الأولى في هذا المسار، حيث تتحدد معالم العلاقة بين الشرعية الجنائية والسلطة التقديرية، وتُستوعب وظيفة الدعوى العمومية باعتبارها آلية دستورية لحماية النظام العام في توازنه مع صيانة الحقوق والحريات. وقد أفرزت هذه المرحلة وعيًا دقيقًا بطبيعة القرار القضائي في بعده الوقائي والزجري، وبحدود الملاءمة باعتبارها اختصاصًا مقيدًا، لا سلطة تقديرية منفلتة.
أما الانتقال إلى قضاء الحكم، فقد مثّل انتقالًا من منطق المبادرة الإجرائية إلى منطق الفصل القضائي، بما يقتضيه ذلك من بناء القناعة، وإحكام منهج التعليل، وإعمال مقتضيات التسبيب باعتباره ضمانة جوهرية للأمن القضائي. وقد مكّنت هذه المرحلة من ترسيخ ممارسة قضائية تقوم على الربط المنهجي بين الوقائع المثبتة قانونًا والقواعد القانونية الواجبة التطبيق، في أفق تحقيق الاستقرار في المراكز القانونية.
ويكتسي الاشتغال ضمن قضاء الموضوع ،خاصتاً القضاء الاستعجالي أهمية فقهية خاصة، لكونه يمتحن قدرة القاضي على اتخاذ القرار القضائي في سياق زمني ضيق، حيث تتقاطع مقتضيات السرعة مع متطلبات المشروعية. وهو مجال لا يُتقن إلا من راكم تجربة قضائية طويلة تمكّنه من ممارسة السلطة التقديرية في إطارها الوظيفي، مع احترام مبدأ التناسب وضمانات المحاكمة العادلة.
إن هذا التعدد الوظيفي داخل النسق القضائي انعكس بوضوح على تدبير الأستاذ محمد ويكة لقسم قضاء الأسرة، حيث تعامل معه باعتباره قضاءً تخصصيًا ذا طبيعة مركبة، يستوجب استحضار فلسفة مدونة الأسرة ومقاصدها التنظيمية، دون الانزلاق نحو تعطيل النص أو تجاوزه. فقد جرى التعامل مع مصلحة الطفل الفضلى باعتبارها مبدأً موجّهًا للاجتهاد القضائي داخل إطار النص، لا ذريعة للخروج عنه، ومع استقرار الأسرة باعتباره مقصدًا تشريعيًا يُستخلص من روح القانون لا في تعارض معه.
وفي هذا الإطار، يبرز تشبّت الأستاذ محمد ويكة الراسخ بتوجيهات القاضي الأول، جلالة الملك محمد السادس، بصفته رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ولاسيما تلك المرتبطة بتكريس استقلال القضاء، وترسيخ أخلاقيات المهنة القضائية، والرفع من جودة الأحكام والقرارات، واحترام الزمن القضائي، وربط النجاعة القضائية بضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق الأساسية للمتقاضين. وهو تشبّت يُترجم في الممارسة اليومية لا كشعار مؤسساتي، بل كاختيار مهني واعٍ، يجعل من التوجيهات الملكية مرجعية ناظمة للعمل القضائي ومنطلقًا لتجويد الأداء داخل قضاء الأسرة.
وتتسم الممارسة القضائية داخل قسم قضاء الأسرة، تحت رئاسته، بصرامة منهجية في إعمال قواعد الإثبات، وضبط حدود السلطة التقديرية للقاضي الأسري، بما يحول دون الانزلاق نحو التقدير غير المؤطر أو الاجتهاد العاطفي. كما يُسجَّل حرص ثابت على احترام الآجال المعقولة للبت، تكريسًا لمقتضيات المحاكمة العادلة، وانسجامًا مع الرؤية الملكية لإصلاح منظومة العدالة.
وعلى المستوى المؤسساتي، يندرج هذا المسار ضمن تصور حديث للعمل القضائي، يقوم على تكامل الاختصاصات داخل منظومة العدالة، ويُنزّه الوظيفة القضائية عن منطق الفردانية، لفائدة مقاربة مؤسساتية تُعلي من قيمة القضاء كسلطة دستورية مستقلة، مسؤولة، وفاعلة.
إن تجربة السيد محمد ويكة تُبرز، في بعدها الفقهي، أن القاضي لا تُقاس مكانته بعدد السنوات أو المواقع، بل بقدرته على تحويل التوجيهات الدستورية والملكية إلى ممارسة قضائية منضبطة، والتجربة المهنية إلى حكمة مؤسساتية، والسلطة التقديرية إلى أداة لتحقيق التوازن بين القانون والإنصاف.
وهي تجربة تُغني النقاش الفقهي حول قضاء الأسرة، وتؤكد أن هذا الفرع من القضاء، متى أُسند إلى كفاءات راكمت التجربة، وتشبّعت بروح القانون، والتزمت بتوجيهات القاضي الأول للمملكة، يتحول إلى رافعة حقيقية لحماية السلم الأسري والاجتماعي، ودعامة راسخة لدولة الحق والقانون

