الرئيسية غير مصنف عائلات معتقلة خارج الأسوار… وجع لا يُرى ودموع تسكن كل بيت

عائلات معتقلة خارج الأسوار… وجع لا يُرى ودموع تسكن كل بيت

IMG 4685
كتبه كتب في 9 أبريل، 2026 - 12:57 صباحًا

بقلم: عزيز بنحريميدة

ليست المعاناة حبيسة أسوار السجون وحدها، بل تمتد خيوطها الخفية لتخنق بيوتاً بأكملها، وتثقل قلوباً لم ترتكب جرماً سوى أنها تُحب. هناك، خارج القضبان، تعيش أسر المعتقلين سجناً من نوع آخر… سجن الانتظار، والقلق، وأسئلة لا تجد لها جواباً.

في أيام الحر، حين تشتد الشمس وتلهب الأرض، لا يفكر الأب أو الأم في قيظ الطقس، بقدر ما يشغلهم سؤال واحد: كيف يقضي فلذة كبدهم يومه خلف الجدران؟ هل يجد نسمة تخفف عنه؟ وهل تصله عناية تُنسيه وطأة العزلة؟
وفي أيام البرد، حين تتسلل القسوة إلى العظام، يتحول الليل إلى قلق طويل، يطرد النوم من الجفون، ويزرع في القلب خوفاً لا يهدأ: كيف هو فراشه؟ هل يقيه البرد؟ وهل يملك ما يدفئ جسده في تلك الزنازين الصامتة؟

غير أن أقسى اللحظات، ليست في الصيف ولا في الشتاء، بل في الأعياد والمناسبات… حين تمتلئ البيوت بالضحك في كل مكان، إلا بيتهم. حين تجتمع العائلات حول موائد الفرح، وتبقى مقاعد شاغرة لا يملؤها أحد. هناك، تتحول الأعياد إلى وجع صامت، ودموع تختبئ خلف ابتسامات مكسورة.

الأم، وهي تُعدّ الطعام، تتوقف فجأة… تتخيل ابنها جالساً إلى جانبها، تبتسم للحظة، ثم تصطدم بواقع الغياب، فتغلبها دمعة حارقة.
والأب، الذي يتظاهر بالقوة، ينهار في صمت حين يخلو بنفسه، مثقلاً بأسئلة لا يملك لها جواباً.
أما الإخوة، فيتعلمون مبكراً كيف يُخفون حزنهم، وكيف يعتادون الغياب… رغم أنه لا يُحتمل.

لياليهم ليست كليالي الآخرين… فمنتصف الليل عندهم ليس وقت راحة، بل موعد مع القلق الثقيل. يستيقظون على وقع التفكير، يتساءلون: هل نام؟ هل أكل؟ هل هو بخير؟ أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختزن جبالاً من الألم في باطنها.

إنها معاناة لا تُقاس بالأرقام، ولا تُختزل في تقارير، لأنها وجع يومي يتكرر في تفاصيل صغيرة: في سرير فارغ، في هاتف لا يرن، في دعاء يتردد كل ليلة، وفي أمل يرفض أن يموت رغم كل شيء.

أسر المعتقلين لا تطلب المستحيل… فقط تبحث عن الطمأنينة، عن لمسة إنسانية، عن كرامة تُصان، وعن صلة لا تنقطع. تريد أن تطمئن أن من غاب عنها لم يُنسَ، وأنه يعيش في ظروف تحفظ له الحد الأدنى من إنسانيته.

وتبقى الحقيقة المؤلمة التي لا يمكن تجاهلها:
السجن لا يعاقب فرداً واحداً… بل يعاقب عائلة بأكملها.

وبين جدران البيوت الصامتة، تُكتب كل يوم قصص من الألم لا تُروى… لكنها تُعاش، بكل تفاصيلها الثقيلة.

مشاركة