الرئيسية آراء وأقلام حين تُدار العدالة في الظل: كاتب الضبط والمسؤولية التي لا يُعترف بها

حين تُدار العدالة في الظل: كاتب الضبط والمسؤولية التي لا يُعترف بها

IMG 20260206 WA0117
كتبه كتب في 6 فبراير، 2026 - 11:41 مساءً

يوسف العيصامي :صوت العدالة

مقال بقلم الأستاذ محمد أبيط
باحث في الشؤون القانونية
اطار بوزارة العدل – مراكش –

لسنوات طويلة، تعودنا ان نختزل العدالة في لحظة النطق بالحكم، وكانها ومضة منفصلة عما يسبقها. غير ان الحقيقة اعمق من ذلك بكثير:
فالعدالة لا تولد في القاعة فقط، بل تنسج بصمت في المكاتب، وفي المحاضر، وفي التواريخ، وفي الاجراءات الصغيرة التي لا يلتفت اليها احد… لكنها تحمل ثقل المصير.

في لحظة وعي مبكرة من تاريخ العدالة المغربية، وتحديدا في خطاب 31 مارس 1982، اكد المغفور له الملك الحسن الثاني ان مسؤولية كاتب الضبط لا تقل جسامة عن مسؤولية القاضي. لم يكن ذلك مجاملة ولا توصيفا رمزيا، بل ادراكا عميقا بان الحكم، مهما بلغ من عدالة، يظل هشا ان لم تحمله مسطرة سليمة، واجراء مضبوط، وذاكرة مؤسسية لا تخون.

كاتب الضبط ليس ظلا، ولا تابعا، ولا تفصيلا تقنيا.
هو حارس الزمن القضائي حين يصبح التاخير ظلما.وهو امين الذاكرة. وهو الضامن لمشروعية المسار

غير ان المفارقة المؤلمة ان هذه الوظيفة الجوهرية ظلت تؤدى طويلا دون توصيف دقيق، ودون حدود واضحة للمسؤولية. فكان الموظف يطالب بكل شيء، ويحاسب عن كل شيء، دون ان يقال له بوضوح: هذا هو دورك… وهذه هي حمايتك.
وهنا يولد اخطر اشكال الاغتراب: ان تنجز العدالة بيدك دون ان يعترف بالفعل باسمك.

في انظمة قضائية متقدمة كفرنسا والمانيا وكندا، لم تبن العدالة على مركزية القاضي وحده، بل على توزيع ذكي للادوار، حيث تحمى الوظيفة الاجرائية بتوصيف واضح، وتمنح كتابة الضبط مكانتها كضامن للمسطرة والامن القانوني. والنتيجة لم تكن اضعاف القضاء، بل تقويته، لان العدالة حين تتقاسمها المؤسسات تصبح اكثر صلابة واقل هشاشة.

اليوم حين يطرح سؤال توصيف المهام ومرجعية الوظائف والكفاءات، لا ينبغي ان يفهم كمطلب اداري او نقابي ضيق، بل كسؤال وجودي:
كيف نريد لعدالتنا ان تعمل؟
وكيف نحمي معناها قبل ان نحمي اشخاصها؟

ان توصيف المهام ليس ترفا تنظيميا، بل فعل عدالة مؤجلة.
هو حماية للموظف من الغموض،
وحماية للمرفق من الارتجال،
وحماية للمتقاضي من ضياع حقه في مسطرة شفافة وعادلة.

العدالة لا تحتاج فقط الى قضاة نزهاء،
بل الى اجراءات نزيهة.
ولا تحتاج فقط الى احكام عادلة،
بل الى مسارات لا تخون معناها.

وحين نستعيد المعنى لمهنة كاتب الضبط،
نكون قد خطونا خطوة صادقة
نحو عدالة لا تكتفي بان تكون صحيحة
بل تكون انسانية ايضا.

مشاركة