بقلم عزيز بنحريميدة
في ضوء المعطيات التقنية والأدلة المادية التي طفت على السطح أخيراً، يبدو أن ملف مقتل الدكتور بدر يدخل مرحلة مفصلية تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مسار الحقيقة ومسؤولية البحث عنها بعيداً عن الضغوط والانطباعات المسبقة. فالشريط الذي عُرض أمام هيئة الحكم، إلى جانب المؤشرات التقنية وشهادات الإثبات، يقدم قراءة مختلفة لما جرى، إذ يظهر أشرف، الملقب بـ“ولد الفشوش”، في الثواني الأولى من النزاع فقط، خلال تشابك بالأيدي مع ابن خالة الضحية، قبل أن يختفي من مسرح الأحداث في لحظات لاحقة.
بقية المشاهد، وفق هذه المعطيات، تكشف أن الاعتداء القاتل على الدكتور بدر تم في غياب أشرف، وأنه لم يشارك لا في الضرب ولا في الدهس الذي أودى بحياة الضحية، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول ملابسات متابعته كمتهم رئيسي وحول الحكم الابتدائي الصادر في حقه بالإعدام. فحين تتقاطع المعطيات التقنية مع الأدلة المادية وشهادات الشهود، يصبح من المشروع إعادة تقييم الوقائع بعيداً عن التأثيرات الإعلامية والانفعالات الجماهيرية التي رافقت الملف منذ بدايته.
لقد وجد هذا الشاب نفسه، منذ الساعات الأولى للجريمة، في قلب موجة من الاتهامات التي غذتها بعض المنابر وصفحات التواصل الاجتماعي، حيث تمت إدانته إعلامياً قبل أن يقول القضاء كلمته النهائية، في مشهد يعكس خطورة المحاكمة الموازية التي قد تُشوّه مسار العدالة وتؤثر في الرأي العام. والحال أن الحكم بالإعدام، بما يحمله من جسامة وخطورة، يقتضي أعلى درجات اليقين القضائي، لا سيما إذا كانت المعطيات الجديدة تميل إلى ترجيح عدم مشاركته في الفعل الإجرامي المميت.
إن مناشدة العدالة اليوم لا تقف فقط عند حدود إعادة قراءة الوقائع، بل تفرض، في ظل الأدلة والمعطيات الجديدة، ضرورة الحكم ببراءة أشرف من كل ما نُسب إليه، ما دامت العناصر الثابتة تشير إلى غيابه عن لحظة الاعتداء القاتل وعدم مشاركته فيه بأي شكل من الأشكال. فالعدالة لا تُبنى على الافتراض أو الضغط الإعلامي، بل على الأدلة القطعية واليقين القضائي الذي لا يترك مجالاً للشك.
مرحلة الاستئناف تبدو، في هذا السياق، فرصة حاسمة لإعادة ترتيب الوقائع وتمحيص الأدلة بعيداً عن أي ضغط أو توجيه، حتى تتجلى الحقيقة في صورتها الكاملة. فالهدف الأسمى ليس البحث عن متهم كيفما كان، بل تحديد المسؤول الحقيقي عن الجريمة ومحاسبته وفق القانون، لأن العقوبة لا تكون عادلة إلا إذا استندت إلى مسؤولية ثابتة لا لبس فيها.
ومن موقع المسؤولية الإعلامية، يصبح لزاماً تكثيف الجهود المهنية والحقوقية من أجل كشف كل الخيوط المرتبطة بالجريمة، وضمان إنصاف من ثبتت براءته، لأن العدالة حين تتأخر قد تظلم، وحين تستند إلى الحقيقة وحدها تنصف الجميع. فحين تتكلم الأدلة، يصبح الحكم بالبراءة ليس خياراً، بل واجباً قانونياً وأخلاقياً يعيد التوازن لميزان العدالة ويُمهّد الطريق لمحاسبة الجناة الحقيقيين دون تمييز أو اعتبارات أخرى

