في زمن تتسابق فيه الدول على تثمين رأسمالها اللامادي، يبرز مشروع الجامعة الدولية لعلوم الثقافة والتراث “تطوان/الصويرة” كاختيار استراتيجي يعكس وعيًا عميقًا بمكانة الثقافة في بناء الأمم وتعزيز إشعاعها. فهذه المؤسسة الناشئة لا تؤسس فقط لمسار أكاديمي جديد، بل تندرج ضمن رؤية شمولية تجعل من التراث رافعة للتنمية، ومن الثقافة قوة ناعمة تعزز حضور المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
وضع اللبنات التنظيمية والقانونية والبيداغوجية لهذه الجامعة، تحت إشراف المستشار الملكي أندري أزولاي وعامل إقليم تطوان عبد الرزاق المنصوري، يمنح المشروع بعدًا مؤسساتيًا قويًا، ويؤكد أنه ليس مبادرة ظرفية، بل ورشًا استراتيجيًا طويل النفس يندرج ضمن دينامية وطنية متواصلة للاعتناء بالثقافة باعتبارها مكونًا أساسيًا في الهوية الوطنية وفي النموذج المجتمعي المغربي.
اختيار مدينتي تطوان والصويرة لم يكن اعتباطيًا؛ فهما مدينتان تختزلان تاريخًا من التعدد والتلاقح الحضاري. تطوان بعمقها الأندلسي والمتوسطي، والصويرة برمزيتها كفضاء للانفتاح والتعايش بين الديانات والثقافات، تشكلان معًا مختبرًا حيًا لفلسفة هذه الجامعة القائمة على الحوار، والتسامح، وصون الذاكرة المشتركة.
الرهان هنا يتجاوز حفظ التراث في بعده المادي، ليشمل أيضًا التراث اللامادي من عادات وتقاليد وفنون وممارسات اجتماعية. الجامعة مرشحة لأن تصبح فضاءً للبحث العلمي الرصين حول هذه المكونات، ومختبرًا لتطوير آليات حديثة في التوثيق والصيانة والتثمين، بما ينسجم مع التحولات الرقمية والمعرفية التي يشهدها العالم.
كما يحمل المشروع بعدًا تربويًا واضحًا، إذ يضع الشباب في قلب اهتمامه. فربط الأجيال الصاعدة بتراثها لا يتم فقط عبر الخطاب الاحتفالي، بل من خلال التكوين الأكاديمي والبحث العلمي والتأطير الثقافي، حتى يتحول التراث من مجرد ماضٍ يُروى، إلى مورد معرفي وإبداعي يُستثمر في الحاضر والمستقبل.
ومن خلال تعبئة الشركاء المؤسساتيين والفاعلين المحليين والمجتمع المدني، يمكن لهذه الجامعة أن تخلق دينامية ثقافية واقتصادية جديدة، حيث يلتقي البحث العلمي بالصناعات الثقافية والإبداعية، ويتحول التراث إلى مجال منتج لفرص الشغل ومشاريع مبتكرة، خاصة في مجالات الفنون، والتثمين السياحي الثقافي، والوسائط الرقمية.
إن تأسيس جامعة متخصصة في علوم الثقافة والتراث يعكس تحولًا في النظرة إلى الثقافة من هامش إلى مركز، ومن نشاط موازٍ إلى رافعة استراتيجية. وهو توجه ينسجم مع المسار الذي اختطه المغرب في تثمين تنوعه الثقافي، وصيانة روافده الحضارية المتعددة، وتقديم نموذج متوازن يجمع بين الوفاء للأصالة والانخراط في الحداثة.
بهذا المعنى، تبدو جامعة الثقافة والتراث بتطوان/الصويرة أكثر من مجرد مؤسسة تعليم عالٍ؛ إنها مشروع حضاري يراهن على الذاكرة كجسر نحو المستقبل، وعلى التنوع كقيمة جامعة، وعلى الثقافة كقوة تبني الإنسان وتعزز موقع الوطن بين الأمم.
الرئيسية أخبار وطنية جامعة الثقافة والتراث بتطوان/الصويرة… استثمار في القوة الناعمة للمغرب وبناء لجسور الذاكرة نحو المستقبل
جامعة الثقافة والتراث بتطوان/الصويرة… استثمار في القوة الناعمة للمغرب وبناء لجسور الذاكرة نحو المستقبل

كتبه Srifi كتب في 2 فبراير، 2026 - 1:16 مساءً
مقالات ذات صلة
2 فبراير، 2026
تواصل عمليات إجلاء واسعة بالقصر الكبير تحسبًا لفيضانات وادي اللوكوس
صوت العدالة- متابعة تتواصل بمدينة القصر الكبير والمدن المجاورة عمليات إجلاء السكان بشكل احترازي، تحسبًا لتفاقم الأوضاع نتيجة الارتفاع المتواصل [...]
1 فبراير، 2026
تازة تحتضن الدورة التاسعة للمعرض الجهوي للمنتجات المجالية،تظاهرة فلاحية واقتصادية تعزز التشغيل والتنمية الجهوية المندمجة
تنظم الغرفة الفلاحية لجهة فاس مكناس، بشراكة مع غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة فاس مكناس، وبتعاون مع عمالة إقليم تازة، [...]
1 فبراير، 2026
السفير الياباني يدشّن مشروعاً لتزويد دوار تاوّودانت بالماء الشروب بالطاقة الشمسية
في خطوة إنسانية وتنموية جديدة تعكس عمق علاقات التعاون المغربي–الياباني، أشرف ناكاتا مساهيرو، السفير الياباني بالمغرب، صباح يوم الجمعة 30 [...]
1 فبراير، 2026
رشيد نجاح يكتب: الإعلام بين كشف الفساد وحماية الوطن
بقلم: رشيد نجاح – لاعب كرة قدم سابق وفاعل جمعوي يُعدّ الإعلام أحد أكثر القطاعات حيوية وتأثيرًا داخل أي مجتمع، [...]
