لقد أعربتم في كلمتكم أمس بافتتاح السنة القضائية عن استغاثة محكمة النقض بسبب كثرة الطعون غير المجدية، وقد وجهتم هذه الاستغاثة للمواطنين وكذا للمحامين، فقلتم مايلي:
“وإن صوتنا المُنْطَلِق من هذا المنبر، يتجه إلى المواطنين الغيورين على جودة قضائهم، وإلى أعضاء هيئات الدفاع الذين ينشدون الجودة في مقررات المحكمة العليا، وإلى أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية المسؤولتين عن التشريع، لأقول لهم إن محكمة النقض تستغيث من جديد لإنقاذها من طوفان الطعون غير المنتجة، والتي لا يجدر أن تصل إلى المحكمة العليا.”.
السيد الرئيس المنتدب المحترم
إن كلمتكم ونداءكم، تفادى الاشارة إلى أمرين هامين ومهمين، هما كالتالي:
الأمر الأول: الطعن بالنقض لا يتقدم به المواطن والمحامي فقط:
إن الطعن بالنقض، كما لا يخفى عليكم السيد الرئيس المنتدب، لا يتقدم به المواطن والمحامي فقط، حتى يتم جعل المحامي وموكله سببا في تلكم الاحصائيات المليئة بالأرقام…وإنما تتقدم به أيضا جهتان اضافيتان، وهما النيابة العامة والوكيل القضائي للمملكة، ولا أدري لماذا اغفلتم السيد الرئيس الأول هذين الجهتين في كلمتكم؟ علما أني قمت باطلالة خفيفة بالقرارات المنشورة بموقع المنصة الرقمية لمحكمة النقض، اضافة الى الملفات التي اطلعت عليها ورقيا، فلاحظت ان الكثيير والكثير من القرارات الصادرة عن محكمة النقض والتي تكون فيها هذين الجهتين هما الطاعنتين بالنقض، تقضي محكمة النقض بعدم قبول الطعن أو بسقوطه…. وهذه القرارات كان يجب، للأمانة، أن تُضاف للاحصائيات المذكورة بكلمتكم كما كان يجب أن يتم توجيه النداء وكذا الاستغاثة ايضا لهذين الجهتين لدعوتهما ايضا للكف عن الطعون غير المجدية.
الأمر الثاني: اغفال الاشارة الى القرارات المتناقضة لمحكمة النقض بل وعن نفس الغرف والمؤثرة سلبا على العدالة:
السيد الرئيس الأول، لقد جاء في كلمتكم مايلي: “إن محكمة النقض لا تعتبر درجة ثالثة للتقاضي، ولكنّها مرصودة لضبط الاجتهاد وتحقيق الأمن القضائي. ولذلك يجب تَجَنُّبُ إغراقِها بالطعون غير المجدية”.
إن هذا التعريف الذي سردتم في كلمتكم لمفهوم ودور محكمة النقض، لا يستوعب القرارات المتناقضة لمحكمة النقض، وهي كثيييييرة، والتي تعصف بمفهوم كون محكمة النقض تسهر على توحيد الاجتهاد القضائي وضمان الأمن القضائي، ويمكن ذكر بعض مواضع التناقض كالتالي:
- قرارات حديثة تقضي بكون المستأنف حاضر باستئنافه وقرارات تقضي بوجوب تبليغه.
- قرارات حديثة قضت، قبل القانون الحالي للمسطرة الجنائية، بجواز ترافع المحامي عن المتهم المتغيب، وقرارات منعته من ذلك.
- قرارات قضت بانه يبتدئ اجل سريان الطعن بالنقض تجاه الشخص الذي بلغ القرار بناء على طلبه ابتداء من يوم التبليغ، وقرارات قضت بعدم السريان.
- قرارات كثيرة تناقضت في مدى وجوب ادلاء المحامي بوكالة خاصة للطعن بالزور الفرعي.
- قرارات كثيرة تناقضت حول الطبيعة القانونية لشرط الاهلية ومدى تعلقه بالنظام العام، وهناك قرارات قضت بمكانية اثارته لاول مرة امام محكمة النقض وقرارات قالت العكس.
- قرارات متناقضة عديدة حول وجوب احالة الملف لاول مرة امام محكمة الاستئناف على النيابة العامة في القضايا التي توجب ذلك.
- القرارات المتناقضة لمحكمة النقض حول اجل الطعن باعادة النظر في قرارات محكمة النقض.
- القرارات المتناقضة حول امكانية تقديم اسباب استئناف جديدة بعد انصرام أجل الاستئناف.
وهذه مجرد أمثلة، بل هي مجرد غيض من فيض، ويمكن الرجوع في القرارات المتناقضة لمؤلف نقيبنا الاستاذ الطيب بنلمقدم في 4 أجزاء.
إن هذا التناقض في قرارات محكمة النقض، إن كان سيحيلنا على أمر ما، فهو أن محكمة النقض يوجد بداخلها عدة محاكم للنقض، وهو اختلاف يؤثر سلبا على الأمن القضائي وعلى منسوب الثقة لدى المتقاضين، خاصة وأن الدستور ينص في الفصل 117 منه على أن القضاء يتولى ضمان الأمن القضائي للمواطنين.
والأكثر من ذلك، فالمادة 518 من قانون المسطرة الجنائية تنص على أن محكمة النقض تسهر على التطبيق الصحيح للقانون، وتعمل على توحيد الاجتهاد القضائي….وأي توحيد هذا؟؟؟؟؟
وان هذا التناقض في قرارات أعلى هيئة قضائية، له تأثير أبلغ من الطعون التي اعتبرتم، السيد الرئيس المنتدب، غير مجدية، لانها تهدم القضاء نفسه وتزعزع الأمن القضائي لدى المتقاضين.
ولا أدري لماذا اغفلت كلمتكم، السيد الرئيس الأول، الاشارة الى هذا الموضوع، بالرغم من أهميته البالغة، وانعكاسه الجوهري على البلاد وما فيها من عباد، وعلى الاستثمار والاعمال….
وهذا ولتجاوز هذا التناقض، فقد سبق ان قدمت مقترحا لكم السيد الرئيس، لما كنت محاميا متمرنا، كالتالي:
أنه يجب على هيآت محكمة النقض ( اي أقسام الغرف سابقا) عقد اجتماعات شهرية لتدارس نقط الخلاف، وبعد ذلك رفع هذه النقط الى رؤساء الغرف لعقد اجتماع من اجل اصدار توصيات داخلية توحيدا للخلاف ورأبا للصدع القضائي الذي يؤثر على العدالة سلبا…. وأتمنى صادقا ان تصلكم رسالتي، فهي من القلب.
والى ذلكم السيد الرئيس المنتدب المحترم، تقبلوا مني فائق التقدير والاحترام، المشفوعين بدعائي لكم بدوام الصحة والعافية.
الأستاذ الباقوري عبدالرحمان، محام بهيئة المحامين بالدارالبيضاء.

