بقلم: عزيز بنحريميدة
في تطور قضائي لافت يعيد النقاش حول نزاهة المحاضر الرسمية وحدود المسؤولية الجنائية داخل أجهزة إنفاذ القانون، أصدرت محكمة الاستئناف بسطات حكماً يقضي بإدانة عنصرين أمنيين بثلاث سنوات حبسا نافذا، مع تبرئة متهم ثالث، وذلك على خلفية قضية تزوير محضر رسمي في ملف مرتبط بالنصب والسمسرة.
وتفجرت هذه القضية بعد الطعن في صحة توقيع أحد المتهمين الوارد في محضر رسمي، حيث تم اللجوء إلى خبرة خطية دقيقة، شكلت نقطة التحول الحاسمة في مسار الملف. وقد خلصت هذه الخبرة إلى نتيجة صادمة، مفادها أن التوقيع موضوع النزاع مزور ولا يعود لصاحبه الحقيقي، ما أسقط مصداقية المحضر وأعاد ترتيب المسؤوليات الجنائية على ضوء معطيات تقنية لا تقبل التأويل.
الحكم الاستئنافي لم يمر مرور الكرام، إذ عكس توجهاً قضائياً صارماً في مواجهة كل أشكال التلاعب بالوثائق الرسمية، خاصة حين يتعلق الأمر بمحاضر يفترض فيها أن تكون عنواناً للحقيقة ومرجعاً أساسياً للعدالة الجنائية. فالمحضر، كما هو مستقر فقهاً وقضاءً، ليس مجرد وثيقة إدارية، بل وسيلة إثبات قوية، وأي مساس بمضمونه أو سلامته يرقى إلى جريمة خطيرة تمس بثقة المجتمع في مؤسسات العدالة.
وفي المقابل، حمل قرار تبرئة المتهم الثالث دلالة قانونية عميقة، مفادها أن القضاء لا يبني أحكامه على الشبهات أو الانطباعات، بل على أدلة مادية وتقنية ثابتة. وهو ما يؤكد أن الخبرة الخطية، حين تكون منجزة وفق الضوابط العلمية، يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في إحقاق الحق، سواء بالإدانة أو البراءة.
القضية تطرح، في عمقها، أسئلة جوهرية حول آليات مراقبة المحاضر، وحدود السلطة التقديرية للضابطة القضائية، ومدى الحاجة إلى تعزيز الرقابة الداخلية والتكوين المستمر في مجال تحرير الوثائق القانونية، تفادياً لأي انزلاقات قد تكلف أصحابها ثمناً جنائياً باهظاً.
كما تعيد هذه النازلة التأكيد على أن محكمة الاستئناف بسطات و هيئتها الموقرة همها هو تحقيق العدالة، في بعدها الحقيقي، فهي لا تحمي فقط الضحايا، بل تحمي أيضاً المتهمين من أي تعسف أو تزوير قد يمس حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
إن ما وقع ليس مجرد قضية معزولة، بل رسالة قوية مفادها أن زمن الإفلات من المساءلة قد ولى، وأن القضاء، متى توفرت له الأدلة العلمية الدقيقة، قادر على تفكيك أعقد الملفات، ولو تعلق الأمر بمحاضر صادرة عن جهات يفترض فيها الالتزام الصارم بالقانون.
فقد برزت الهيئة القضائية بمحكمة الاستئناف بسطات، من خلال هذا الحكم، في صورة تعكس أعلى درجات المهنية والاستقلالية والجرأة في تطبيق القانون. إذ لم تتردد في ترتيب الآثار القانونية اللازمة رغم حساسية الملف وطبيعة الأطراف المعنية، مؤكدة بذلك أن العدالة لا تخضع لأي اعتبارات خارج إطار القانون.
وفي هذا السياق، لا يسعنا إلا أن ننوه بالمجهودات الجبارة التي يبذلها المسؤولون القضائيون بسطات، من رئاسة ونيابة عامة، في تكريس قضاء نزيه وفعال، يقوم على احترام الضمانات القانونية وصيانة الحقوق والحريات. فقد أبانوا، من خلال تدبير هذا الملف، عن وعي عميق بدورهم في حماية ثقة المواطنين في العدالة، وعن التزام راسخ بتطبيق القانون بكل تجرد وحياد
وفي انتظار ما قد تحمله مراحل التقاضي المقبلة، إن وُجدت، من تطورات جديدة، يبقى هذا الحكم عنواناً بارزاً على انتصار الحقيقة التقنية على الروايات الشكلية، وترسيخاً لمبدأ لا نقاش فيه: لا أحد فوق القانون

