الرئيسية غير مصنف تحرير رأس مال الصيدليات بين منطق الإصلاح ومخاطر التسليع الصحي

تحرير رأس مال الصيدليات بين منطق الإصلاح ومخاطر التسليع الصحي

5e7d6f93 bd53 4d57 bd37 30c984cd0544
كتبه كتب في 8 أبريل، 2026 - 5:50 مساءً

بقلم: د. حسن الشاديلي – دكتور صيدلاني

في سياق يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول مستقبل المنظومة الصحية بالمغرب، تبرز مسألة تحرير رأس مال الصيدليات كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل، خاصة مع تزامنها مع تنظيم وقفة احتجاجية سلمية مرتقبة يوم 9 أبريل 2026 أمام مجلس المنافسة بالرباط. هذا الحراك المهني لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي يعرفها القطاع الصيدلي، ولا عن التوتر القائم بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضمانات الأمن الصحي.

من الناحية البنيوية، يعكس قطاع الصيدلة بالمغرب تعددية فاعليه، حيث يضم ما يقارب 14,300 صيدلي، إلى جانب 56 مؤسسة صناعية دوائية و66 شركة لتوزيع الأدوية. غير أن هذه التعددية لا تعني بالضرورة توازناً في القوة السوقية، إذ تكشف القراءة الدقيقة لبنية السوق عن تمركز نسبي للسلطة الاقتصادية لدى الفاعلين الصناعيين، مقابل تشتت الفاعلين الصيدليين على مستوى القرب.

وفي هذا الإطار، تشير المعايير المعتمدة من طرف منظمة الصحة العالمية إلى معدل صيدلية لكل 5000 نسمة، بينما يسجل المغرب معدل صيدلية لكل 2600 نسمة، وهو ما يعكس، من منظور اقتصادي، مستوى مرتفعاً من المنافسة، قد يصل في بعض الحالات إلى حدود الإشباع.

وبالتالي، فإن اختزال إشكالية غلاء الدواء في عدد الصيدليات أو في هامش ربح الصيدلي يظل تبسيطاً مخلًّا لا يرقى إلى تعقيد الظاهرة.
أما فيما يتعلق بهوامش الربح، فإن النظام المعتمد بالمغرب يقوم على توزيع تصاعدي-تنازلي يحد من استفادة الصيدلي من الأدوية مرتفعة الثمن، حيث لا يتجاوز الربح في أقصى الحالات سقف 300 إلى 400 درهم، حتى بالنسبة لأدوية قد تتجاوز قيمتها عشرات الآلاف من الدراهم. وهو ما يدحض الأطروحات التي تروج لفكرة تحقيق الصيدلي لهوامش ربح مفرطة، ويؤكد أن موقعه داخل السلسلة الدوائية يظل محدود التأثير في تحديد الأسعار النهائية.

في المقابل، تظل المؤسسات الصناعية الدوائية الفاعل الأكثر تأثيراً في معادلة التسعير، بحكم تحكمها في كلفة الإنتاج وسياسات التسويق. وهو ما يطرح إشكالية الحكامة الاقتصادية للقطاع، ومدى خضوع هذه المستويات لنقاش عمومي شفاف يراعي مصلحة المستهلك ويضمن التوازن بين الربحية والعدالة الصحية.

وفي هذا السياق، يكتسي تصريح رئيس مجلس المنافسة حول ضرورة تخفيض أسعار الأدوية أهمية خاصة، باعتباره يعكس توجهاً رسمياً نحو تعزيز القدرة الشرائية للمواطن. غير أن تحقيق هذا الهدف لا ينبغي أن يتم عبر مقاربات اختزالية، أو من خلال تحميل الصيدلي مسؤولية اختلالات هيكلية تتجاوز نطاق تدخله.

إن تحرير رأس مال الصيدليات، إذا ما تم في غياب ضوابط دقيقة، قد يفضي إلى إدماج القطاع في ديناميات رأسمالية صرفة، حيث تصبح الصيدلية مجرد وحدة تجارية خاضعة لمنطق الاستثمار والعائد، بدل أن تظل فضاءً صحياً قائماً على القرب والثقة والمسؤولية المهنية. وهو تحول يحمل في طياته مخاطر حقيقية على جودة الخدمات وعلى مبدأ الولوج العادل للدواء.

وعليه، فإن الرهان اليوم لا يكمن في رفض الإصلاح، بل في تأطيره ضمن رؤية شمولية توازن بين متطلبات النجاعة الاقتصادية وضمانات الأمن الدوائي. فالدفاع عن الصيدلي، في هذا السياق، ليس دفاعاً فئوياً، بل هو دفاع عن أحد أعمدة المنظومة الصحية الوطنية.

وفي ظل هذا الجدل المتواصل، تظل الوقفة الاحتجاجية المرتقبة تعبيراً مشروعاً عن رفض تبسيط الأزمة، وعن الحاجة إلى إعادة توجيه النقاش نحو الفاعلين الحقيقيين في تحديد أسعار الدواء، بما يضمن إصلاحاً منصفاً ومستداماً يخدم مصلحة المواطن أولاً وأخيراً.

مشاركة