صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
على عادته، ودّع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سنة 2025 بخطاب مطوّل أمام نواب الأمة وكبار مسؤولي الدولة، تضمّن أرقامًا ووعودًا وُصفت من طرف متابعين بأنها “فلكية”، وتجاوزت في بعض جوانبها حدود المعقول الاقتصادي.
الرئيس الجزائري أكد أن بلاده “الدولة الأولى والوحيدة في العالم التي تصنع قلم الأنسولين”، كما قال إن الجزائر تتصدر مجال تصنيع كواشف قياس السكر، وهي تصريحات سرعان ما أثارت موجة تشكيك واسعة، لكون هذه الصناعات موجودة منذ سنوات طويلة في عدة دول متقدمة، وتخضع لشركات عالمية معروفة.
وفي الشق الاستثماري، تحدث تبون عن مشاركة أجانب في 309 مشاريع استثمارية، معتبرًا ذلك دليلاً على فشل “أطروحة العزلة الاقتصادية”. غير أن مراقبين يرون أن عدد المشاريع لا يعكس بالضرورة حجم الاستثمارات ولا أثرها الفعلي على النمو، في ظل غياب أرقام دقيقة حول القيمة المالية، ونوعية القطاعات، ومدى استدامة هذه المشاريع.
اقتصاديًا، أكد الرئيس تراجع معدل التضخم، ووصف وضع الاقتصاد بـ”السليم”، معتبراً أن من يُنكر هذه الإنجازات “جاحد وحسود”. غير أن الواقع المعيشي اليومي، حسب فئات واسعة من الجزائريين، ما يزال متأثرًا بتدهور قيمة الدينار، وارتفاع الأسعار، ونقص عدد من المواد الأساسية، ما يطرح علامات استفهام حول الفجوة بين الخطاب الرسمي والمعيش اليومي.
كما أشار تبون إلى تحقيق أكثر من 80% من الاكتفاء الذاتي في المواد الصيدلانية، ووجود 13 ألف مؤسسة ناشئة، إضافة إلى إنشاء 15 ألف مؤسسة فلاحية مستقلة. وهي أرقام، وإن بدت طموحة، إلا أنها لم تُرفق بمؤشرات واضحة حول الجودة، والتنافسية، وقدرة هذه المؤسسات على الصمود في السوق وخلق الثروة ومناصب الشغل.
اجتماعيًا، شدد الرئيس على أن الدولة “لم ولن تتخلى عن دعم المواطن”، متحدثًا عن ارتفاع معدل الأمل في الحياة، وتقدم برامج التلقيح، وإنجاز مليون و700 ألف وحدة سكنية منذ بداية العهدة الأولى، مع وعود بمواصلة رفع الأجور والتوظيف. غير أن هذه الوعود تصطدم بإكراهات مالية واقتصادية متزايدة، في ظل اعتماد كبير على الريع النفطي.
ويرى محللون أن الأرقام التي قُدمت تعكس، في جزء منها، اختلالًا في منظومة نقل المعلومة داخل الجهاز التنفيذي، حيث قد تلجأ بعض القطاعات الوزارية إلى تضخيم الإنجازات هروبًا من المحاسبة. كما لا يُستبعد أن يكون الرئيس واقعًا تحت ضغوط لوبيات داخلية تسعى إلى امتصاص الغضب الشعبي، والحفاظ على مصالحها المرتبطة باستقرار داخلي هش، خاصة في ظل بروز دول مجاورة غير نفطية حققت تقدمًا ملموسًا في مجالات متعددة.
في المحصلة، تبدو أرقام خطاب نهاية 2025 أقرب إلى رسائل تطمين سياسي منها إلى تشخيص واقعي دقيق، في وقت بات فيه جزء معتبر من الجزائريين يشكك في قدرة النظام الحالي على ضمان استقرار اقتصادي مستدام، وهو ما قد يعزز نزعات التغيير، ويضع السلطة أمام تحديات داخلية أكثر تعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.

