عبد الكبير الحراب
في تطور جديد يعكس حساسية المسار القضائي لقضية مقتل الشاب إلياس، قررت المحكمة تأجيل الجلسة المرتقبة إلى غاية فاتح أبريل المقبل، بعد سلسلة من التأجيلات السابقة التي أثارت نقاشًا واسعًا حول مآل هذا الملف الذي هزّ الرأي العام المحلي بمدينة تيزنيت.
ويأتي هذا التأجيل في وقت تتطلع فيه أسرة الضحية ومعها المتتبعون إلى تأييد الحكم الابتدائي الصادر عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بأكادير، والذي قضى بإدانة المتهم الرئيسي بالسجن المؤبد، ومعاقبة شريكيه في الجريمة بـ25 سنة سجنا نافذا لكل واحد منهما، إلى جانب تعويض مدني لفائدة أسرة الضحية قدره 30 مليون سنتيم.
وتؤكد عائلة إلياس تمسكها بثقتها في القضاء المغربي، معبرة عن أملها في أن تكرّس المرحلة الاستئنافية نفس التوجه الذي اعتبرته منصفًا لروح ابنها. وفي تصريحات متطابقة، شدد أفراد الأسرة على أن مطلبهم الأساسي يظل تحقيق العدالة الكاملة، ومحاسبة جميع المتورطين في هذه الجريمة التي وصفت بالبشعة، مؤكدين أن إنصاف الضحية، وإن كان لا يعيده إلى الحياة، فإنه يخفف من وطأة الألم الذي يلازمهم يوميًا.
تعود وقائع القضية إلى فجر يوم 27 غشت 2025، حين كان الضحية، البالغ من العمر 19 سنة، متوجها إلى منزل صديقه لتقديم وجبة عشاء له بعد تعرضه لحادثة سير، قبل أن يعترض طريقه خمسة شبان بحي العين الزرقاء، في محاولة لسرقة ما كان بحوزته، بما في ذلك دراجته النارية.
ورغم امتثال الضحية لمطالبهم، عاد أدراجه نحو منزل أسرته لجلب بطاقته الوطنية قصد التبليغ عن الواقعة لدى المصالح الأمنية. غير أن القدر قاده مجددًا إلى مواجهة ثلاثة من المعتدين الذين ترصدوا له، حيث تطور نقاش بينهم إلى اعتداء عنيف، تعرض خلاله لضربة قوية بحجر على مستوى الرأس، تلتها اعتداءات جسدية متفرقة، قبل أن يوجه له أحدهم أربع طعنات بسلاح أبيض على مستوى الصدر.
وقد أسفر هذا الاعتداء عن وفاة الضحية متأثرًا بجروحه الخطيرة، في جريمة وقعت حوالي الساعة الثالثة صباحًا، وخلفت صدمة كبيرة في أوساط ساكنة الحي، التي أجمع عدد من أفرادها على أن إلياس كان شابًا خلوقًا، معروفًا بحسن سلوكه واحترامه للآخرين.
وفور إشعارها، انتقلت السلطات المحلية والمصالح الأمنية إلى مكان الحادث، حيث باشرت الإجراءات القانونية اللازمة، قبل نقل جثمان الضحية إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي الحسن الأول بتيزنيت، بتعليمات من النيابة العامة المختصة.
وقد أسفرت التحريات عن توقيف الفاعل الرئيسي في وقت وجيز، فيما جرى إيقاف باقي المتورطين في اليوم الموالي، حيث تم الاستماع إليهم في محاضر رسمية لكشف ملابسات الجريمة.
وعقب سلسلة من الجلسات، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية حكمها القاضي بإدانة المتهم الرئيسي بالسجن المؤبد، مع تبرئته من تهمة محاولة إضرام النار في ناقلة خالية من الأشخاص، فيما أدين شريكان له بـ25 سنة سجنا نافذا لكل واحد منهما من أجل المشاركة في القتل العمد مع سبق الإصرار، مع تبرئتهما من باقي التهم المنسوبة إليهما.
كما قضت المحكمة بإدانة متهمين آخرين بشهرين حبسا موقوف التنفيذ وغرامة مالية قدرها 500 درهم، مع تحميل المدانين الصائر تضامنا، وتحديد الإجبار في الأدنى، باستثناء المحكوم عليه بالسجن المؤبد.
وفي الشق المدني، قضت الهيئة بعدم الاختصاص في مواجهة متهمين اثنين، مع قبول باقي المطالب شكلا، والحكم على المدانين بأداء تعويض مدني لفائدة أسرة الضحية قدره 300 ألف درهم.
ومع اقتراب موعد الجلسة الجديدة، تتجه الأنظار نحو ما ستسفر عنه المرحلة الاستئنافية، في اختبار جديد لمدى ترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف، خاصة في القضايا التي تحظى باهتمام واسع من الرأي العام.
وبين الألم والأمل، تترقب أسرة إلياس حكمًا نهائيًا يطوي صفحة هذه المأساة، ويكرّس حق الضحية في العدالة، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الجرائم العنيفة لا يمكن أن تمر دون محاسبة صارمة.

