بقلم د ادريس الفينة
في المغرب، لم تعد الجبايات المحلية مجرد تقنية محاسبية لتمويل الجماعات الترابية، بل أصبحت سؤالاً سياسياً وتنموياً يرتبط مباشرة بالعدالة المجالية وبقدرة الدولة على تقليص الفوارق بين الجهات والجماعات. فكلما كانت الموارد المحلية مستقرة، قابلة للتحصيل، وموزعة بطريقة أكثر إنصافاً، كلما تمكنت الجماعات من الاستثمار في الطرق والماء والإنارة والنقل والنظافة والتجهيزات الاجتماعية. أما حين تبقى الموارد ضعيفة أو غير متكافئة ترابياً، فإن التنمية نفسها تصبح غير متوازنة، وتتعزز الفوارق بين مجالات غنية قادرة على تعبئة الجباية ومجالات أخرى فقيرة تعتمد أساساً على التحويلات. وتؤكد المعطيات الرسمية الأحدث هذا المعطى بوضوح: فقد بلغت الموارد العادية للجماعات الترابية 53.1 مليار درهم سنة 2024، بارتفاع 14.8% مقارنة بسنة 2023، فيما وصلت الموارد الإجمالية إلى 110.1 مليار درهم إذا أضيفت فوائض السنوات السابقة. كما ارتفعت نفقات الاستثمار إلى 17.8 مليار درهم في 2024، بزيادة 15.3%، وهو ما يبرز أن تحسين الموارد الجبائية ينعكس مباشرة على القدرة الاستثمارية المحلية.
وتتكون موارد الجبايات المحلية، عملياً، من ثلاث كتل رئيسية. الأولى هي الموارد المحولة من الدولة، وعلى رأسها حصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة، إضافة إلى حصة الجهات من الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على عقود التأمين. والثانية هي الموارد التي تدبرها الدولة لفائدة الجماعات، مثل الرسم المهني ورسم السكن ورسم الخدمات الجماعية. والثالثة هي الموارد التي تدبرها الجماعات نفسها مباشرة، ومن بينها الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، والرسم على عمليات البناء، وبعض الرسوم والواجبات والمنتجات المرتبطة باستغلال الملك الجماعي أو الاحتلال المؤقت للملك العمومي. وبحسب الخزينة العامة للمملكة، كانت بنية الموارد العادية سنة 2024 موزعة كالتالي: 32.2 مليار درهم موارد محولة من الدولة، و10.3 مليارات درهم موارد مدبرة من طرف الدولة لحساب الجماعات، و10.55 مليارات درهم موارد مدبرة مباشرة من طرف الجماعات. كما شكلت الجبايات 81.8% من مجموع موارد الجماعات الترابية خلال السنة نفسها.
هذا المعطى مهم لأنه يكشف مفارقة مركزية في المالية المحلية المغربية: الجماعات الترابية ممولة ضريبياً، لكن الجزء الأكبر من هذا التمويل لا يأتي من مجهود جبائي محلي خالص، بل من تحويلات مركزية. ففي سنة 2024 مثلت الموارد المحولة حوالي 60.7% من مجموع الموارد العادية، مقابل 19.4% للموارد المدبرة من طرف الدولة و19.9% فقط للموارد المدبرة مباشرة من طرف الجماعات. بل إن حصة الجماعات من الضريبة على القيمة المضافة وحدها مثلت 38.8% من مجموع موارد الجماعات. وهذا يعني أن استقلالية القرار الترابي لا تزال محدودة بضعف الاستقلالية الجبائية، وأن جزءاً كبيراً من قدرة الجماعات على الفعل التنموي يبقى رهيناً بالتحويلات الآتية من المركز.
أما داخل الموارد التي تدبرها الدولة لفائدة الجماعات، فتبرز ثلاثة رسوم أساسية: رسم الخدمات الجماعية، والرسم المهني، ورسم السكن. وتشير الأرقام الرسمية لسنة 2024 إلى أن هذه الموارد بلغت 10.3 مليارات درهم، منها 5.883 مليارات درهم لرسم الخدمات الجماعية، و3.851 مليارات درهم للرسم المهني، و566 مليون درهم لرسم السكن. وقد سجلت هذه الفئة نمواً قوياً بلغ 26.4%، مدفوعاً خصوصاً بارتفاع رسم الخدمات الجماعية بنسبة 43%، إلى جانب ارتفاع الرسم المهني بنسبة 6.7% ورسم السكن بنسبة 32.9%. كما يظل إصلاح 2020 مهماً في هذا الباب، لأنه نقل إصدار جداول رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية تدريجياً إلى مصالح الخزينة العامة للمملكة بمقتضى القانون 07.20 المعدل والمتمم للقانون 47.06، وهو ما استهدف تحسين المردودية والتحصيل وجودة الوعاء الجبائي.
وفي المقابل، تكشف الموارد التي تدبرها الجماعات مباشرة عن المجال الحقيقي للاستقلالية الجبائية الترابية، لكنها تظل محدودة نسبياً. فقد بلغت هذه الموارد 10.554 مليارات درهم في 2024، وكانت مكوناتها الأبرز هي الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية بـ2.497 مليار درهم، وواجب الاحتلال المؤقت للملك العمومي الجماعي بـ1.392 مليار درهم، والرسم على عمليات البناء بـ1.019 مليار درهم، ثم المداخيل العقارية والملكية وبعض الرسوم المرتبطة بأسواق الجملة. وتفيد هذه البنية بأن جزءاً مهماً من الجباية المحلية في المغرب ما زال مرتبطاً بالعقار والتمدين والتوسع الحضري، أكثر من ارتباطه بدينامية اقتصادية محلية متنوعة. وهو ما يفسر كون الجماعات ذات القاعدة العقارية والتجارية القوية أكثر قدرة على تعبئة الموارد مقارنة بالجماعات الهشة أو القروية أو ضعيفة الاستثمار.
ومن هنا يظهر الدور الحاسم للجبايات المحلية في بناء تنمية ترابية عادلة. فالعدالة المجالية لا تعني فقط تحويل الأموال من المركز إلى الأطراف، بل تعني أيضاً تمكين الجماعات من موارد مستدامة ومتوقعة وقابلة للتعبئة، حتى لا يبقى الحق في التنمية رهيناً بالموقع الجغرافي أو الكثافة الاقتصادية أو الجاذبية العقارية. غير أن المعطيات الرسمية تبين استمرار اختلالات واضحة. ففي سنة 2024 استحوذت ست جهات فقط على 73.3% من موارد الجماعات الترابية، بينما مثلت جهة الدار البيضاء-سطات وحدها 21.6% من مجموع هذه الموارد، تليها جهة الرباط-سلا-القنيطرة بـ13%. كما أن 73.9% من مجموع المداخيل تخص الجماعات، مقابل 20.4% للجهات و5.7% فقط للعمالات والأقاليم. هذا التركيز المالي يعكس تركيزاً اقتصادياً ومجالياً معروفاً، ويؤكد أن الجباية المحلية في وضعها الراهن لا تنتج العدالة الترابية تلقائياً، بل قد تعيد إنتاج التفاوتات نفسها إن لم تُصحح بآليات تضامن فعالة.
وتزداد الصورة وضوحاً عندما ننظر إلى الفوارق بين أصناف الجماعات. فالموارد المحولة تمثل 50.3% من مداخيل الجماعات، لكنها ترتفع إلى 88.4% لدى العمالات والأقاليم، وإلى 90.7% لدى الجهات. وهذا يعني أن بعض الوحدات الترابية لا تزال تعتمد في الغالب على التحويلات، بينما تظل قدرتها على خلق مواردها الذاتية محدودة جداً. لذلك فإن الحديث عن الجبايات المحلية في سياق العدالة المجالية يقتضي التمييز بين “التمويل المحلي” و“الاستقلال المالي المحلي”: قد تتوفر الأموال، لكن من دون استقلال حقيقي في الوعاء والتحصيل والتخطيط، تبقى الجماعات ضعيفة القدرة على بلورة مشاريع تنموية منسجمة مع حاجياتها الخاصة.
رغم ذلك، لا ينبغي إغفال التطور الإيجابي المسجل في السنوات الأخيرة. فالمعطيات الرسمية تُظهر أن الموارد العادية للجماعات الترابية غطت مجموع النفقات الجارية سنة 2024 بنسبة 115.9%، مقابل 109.5% سنة 2023، ما أتاح تحقيق فائض عادي إيجابي بلغ 25.1 مليار درهم. كما أن نفقات الاستثمار ارتفعت إلى 17.824 مليار درهم، واستحوذت على 33.7% من الموارد العادية. هذا المؤشر مهم، لأنه يعني أن تحسن الجباية والتحويلات لا يذهب كله إلى التسيير، بل يخلق هامشاً لتمويل الاستثمار المحلي. غير أن هذا التحسن يبقى ناقصاً ما دام جزء معتبر من النفقات لا يزال يذهب إلى الأجور والتسيير، إذ بلغت نفقات الموظفين 12.216 مليار درهم في 2024، أي 23% من الموارد العادية و43.7% من نفقات التسيير.
والتحدي الأكبر هنا هو جودة التحصيل وتوسيع الوعاء. فحسب تقرير أنشطة الخزينة العامة للمملكة لسنة 2024، بلغ مخزون الباقي استخلاصه 60.67 مليار درهم في نهاية السنة، منها 46.99 مليار درهم تخص الجماعات الترابية، أي 77.4% من الإجمالي. هذا الرقم مرتفع جداً، ويعني أن جزءاً كبيراً من الموارد الممكنة لا يتحول فعلياً إلى تمويل تنموي بسبب ضعف التحصيل، أو صعوبات المنازعات، أو قصور تحيين المعطيات العقارية والاقتصادية. صحيح أن التقرير نفسه سجل تحسناً في جودة الإصدارات، مع تراجع الإلغاءات والتخفيضات إلى 763 مليون درهم سنة 2024 مقابل 1.52 مليار درهم سنة 2023، لكن حجم المتأخرات يظل دليلاً على أن إصلاح الجباية المحلية لا يتعلق فقط بإحداث رسوم جديدة، بل أساساً بجعل الرسوم القائمة أكثر عدالة وفعالية وقابلية للاستخلاص.
لذلك، فإن بناء تنمية ترابية عادلة يمر عبر أربعة مداخل إصلاحية مترابطة. أولها، توسيع الوعاء الجبائي المحلي وتحيينه رقمياً، خصوصاً في ما يتعلق بالعقار والأنشطة الاقتصادية والاستغلالات التجارية. ثانيها، رفع مردودية التحصيل وتقليص الباقي استخلاصه من خلال تبادل المعطيات بين الجماعات والخزينة والإدارة الجبائية والمحافظة العقارية. ثالثها، مراجعة توزيع الموارد بين الجماعات والجهات على أساس معايير الإنصاف والحاجات التنموية لا على أساس الثقل الاقتصادي فقط. ورابعها، تقوية آليات التضامن بين الترابات، لأن العدالة المجالية لا يمكن أن تُترك بالكامل لمنطق “من يملك قاعدة ضريبية أكبر يحصل على خدمات أفضل”. وتبقى توصيات المجلس الأعلى للحسابات حول تقييم الجباية المحلية ذات دلالة في هذا الباب، إذ سبق أن شددت على تعقد المنظومة وتشتت الرسوم وضعف المردودية وعدم مواكبة الوعاء للتحولات العمرانية والاقتصادية، وهي ملاحظات ما زال جزء كبير منها راهناً إلى اليوم.

