بقلم: الدكتور عبدالرحيم موهوب.
يطرح مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة المعروض اليوم على أنظار المؤسسة التشريعية، إشكالا قانونيا ودستوريا بالغ العمق، يتمثل في الإبقاء ضمن البند الخامس من المادة الخامسة على شرط مفاده ألا يكون المترشح مدانا بسبب أفعال منافية للشرف والمروءة أو حسن السلوك ولو رد اعتباره، وهو مقتضى وإن بدا في ظاهره امتدادا تقليديا لفكرة اشتراط النزاهة الأخلاقية في المهن القانونية، فإنه في حقيقته يثير تساؤلات دقيقة حول حدوده ومشروعيته ومدى انسجامه مع البناء الدستوري والحقوقي الذي أرساه دستور المملكة المغربية 2011، ومع فلسفة العدالة الجنائية الحديثة التي انتقلت من منطق الزجر إلى منطق الإدماج وإعادة التأهيل.
إن هذا الشرط بصيغته الحالية لا يكتفي بترتيب أثر قانوني على الإدانة، بل يتجاوز ذلك ليبقي هذا الأثر قائما حتى بعد زواله قانونا بموجب رد الاعتبار، وهو ما يطرح مسألة جوهرية تتعلق بالطبيعة القانونية لهذا الأخير. فمؤسسة رد الاعتبار كما استقر عليها الفقه الجنائي ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي آلية قانونية تهدف إلى محو الآثار المستقبلية للحكم الجنائي، وإعادة إدماج المحكوم عليه داخل النسيج الاجتماعي والمهني واسترجاع أهليته القانونية كاملة، وقد عبرت الكتابات الفقهية بوضوح عن هذا المعنى بقولها إن رد الاعتبار يعيد للمحكوم عليه مركزه القانوني ويزيل آثار الإدانة بالنسبة للمستقبل، بما يجعل الشخص من حيث الآثار القانونية في وضعية قريبة من من لم تصدر في حقه إدانة.
غير أن النص المقترح في مشروع قانون المحاماة يقيم وضعية استثنائية، مفادها أن الإدانة رغم زوال آثارها القانونية تستمر في إنتاج أثر مانع دائم يحول دون الولوج إلى المهنة، وهو ما يخلق مفارقة تشريعية بين قاعدة عامة في القانون الجنائي تقر بمحو الآثار، وقاعدة مهنية خاصة تعيد إحياء هذه الآثار، فصحيح أن المشرع المهني قد يتمسك بكونه لا يعاقب من جديد بل يضع شرطا أخلاقيا لحماية المهنة، غير أن هذا الدفع يصطدم بطبيعة الأثر المترتب عن النص، والذي يتخذ شكل إقصاء دائم غير قابل للمراجعة، مما يجعله أقرب إلى جزاء مهني مستمر لا إلى مجرد شرط تنظيمي.
وإذا ما انتقلنا إلى فحص هذا المقتضى في ضوء المبادئ الدستورية، فإن أول ما يبرز هو مسألة التناسب باعتبارها معيارا حاسما في تقييم مشروعية القيود المفروضة على الحقوق والحريات، فالفصل 31 من دستور المملكة المغربية 2011 يضمن الحق في الشغل والولوج إلى الوظائف والمهن، وهو حق لا يمكن تقييده إلا بشروط تستجيب لمتطلبات الضرورة والملاءمة وعدم الإفراط، غير أن الشرط محل النقاش يتسم بطابع الإطلاق، إذ لا يميز بين خطورة الأفعال ولا بين قدمها أو حداثتها ولا بين من أصلح سلوكه ومن لم يفعل، ولا يتيح أي إمكانية لإعادة التقييم أو النظر مما يجعله قيدا مفرطا يتجاوز الهدف المشروع المتمثل في حماية المهنة وينقلب إلى وسيلة للإقصاء الدائم، وهو ما يتعارض مع مبدأ التناسب في جوهره.
كما يثير هذا الشرط إشكالا على مستوى مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليهما في الدستور، ذلك أنه يخلق فئة من المواطنين استوفت كافة الشروط القانونية والعلمية والمهنية، لكنها تظل محرومة بشكل نهائي من الولوج إلى مهنة المحاماة بسبب واقعة زالت آثارها القانونية، وإذا كان التمييز قد يكون مشروعا إذا استند إلى معيار موضوعي ومعقول فإن التمييز هنا يبدو غير مبرر، لكونه يقوم على عنصر لم يعد له وجود قانوني من حيث آثاره، ولا يعكس بالضرورة الوضع الحالي للشخص أو مدى أهليته الأخلاقية لممارسة المهنة، ويزداد هذا الخلل وضوحا عند مقارنته بشروط الولوج إلى مهن قضائية وقانونية أخرى، حيث يشترط حسن السيرة والسلوك لكن يعتد برد الاعتبار، مما يجعل مهنة المحاماة في وضع أكثر تشددا من الولوج الى القضاء نفسه، وهو ما يطرح إشكالا على مستوى الانسجام التشريعي والمنطقي.
ومن زاوية مبدأ التفريد الذي يشكل أحد أعمدة العدالة الجنائية، فإن هذا الشرط يتجاهل الفروق الفردية بين الأشخاص، ويقرر جزاء موحدا ونهائيا على جميع الحالات دون اعتبار لظروف الجريمة أو سلوك المعني بالأمر بعد تنفيذ العقوبة أو مسار إصلاحه، وهو ما يتنافى مع روح القانون الجنائي ذاته الذي يقوم على مراعاة شخصية الجاني وتفريد العقوبة، كما أن هذا التوجه يتعارض مع فلسفة إعادة الإدماج التي تبناها الدستور المغربي، والتي تقوم على صيانة الكرامة الإنسانية وإتاحة الفرصة للأفراد لاستعادة مكانتهم داخل المجتمع بعد تجاوز مرحلة العقاب.
ولا يقف الأمر عند حدود الدستور الوطني بل يمتد إلى الالتزامات الدولية للمملكة، حيث إن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يكرس الحق في العمل، ويلزم الدول بضمان ممارسته دون قيود غير مبررة، كما أن الاجتهادات الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أكدت في أكثر من مناسبة أن الحرمان المهني الدائم بعد انقضاء العقوبة، قد يشكل انتهاكا للحقوق الأساسية إذا لم يكن متناسبا ومبررا بضرورة ملحة، وفي السياق المقارن فإن القضاء الإداري في فرنسا قام بإلغاء القرارات التي ترفض ولوج المهن بعد رد الاعتبار متى تبين أن هذا الرفض غير متناسب مع الهدف المشروع، وهو ما يعكس تطورا نحو اعتماد مقاربة تقييمية مرنة بدل الإقصاء المطلق.
إن الفقه القانوني بدوره مستقر على أن رد الاعتبار يمثل آلية لإعادة الإدماج، وأن الإبقاء على آثار الإدانة بعده يشكل إفراغا لهذه المؤسسة من محتواها، وتحويلا لها إلى إجراء عديم الجدوى، بل إن بعض الكتابات الفقهية ذهبت إلى اعتبار الحرمان المهني بعد رد الاعتبار بمثابة عقوبة إضافية غير منصوص عليها، وهو ما يتعارض مع مبدأ الشرعية الجنائية.
وفي ضوء كل هذا فإن مسؤولية المؤسسة التشريعية وهي تناقش هذا المشروع اليوم تقتضي إعادة النظر في هذا المقتضى، ليس فقط من زاوية تقنية بل من زاوية دستورية وحقوقية عميقة، فنواب الأمة وهم يمارسون وظيفتهم التشريعية مدعوون إلى تفحص هذا الشرط في ضوء المبادئ التي كرسها دستور المملكة المغربية 2011، وفي ضوء الالتزامات الدولية للمملكة واستحضار التوازن الدقيق بين حماية المهنة وضمان الحق في الولوج إليها.
ومن ثم فإن الحل التشريعي المتوازن لا يكمن في إلغاء شرط حسن السيرة أو النزاهة، بل في إعادة صياغته بشكل ينسجم مع فلسفة القانون وذلك باستبدال عبارة ولو رد اعتباره بعبارة ما لم يرد اعتباره، بما يحقق غايتين أساسيتين ، فالأولى هي الحفاظ على متطلبات النزاهة والثقة في مهنة المحاماة، والثانية هي احترام مؤسسة رد الاعتبار كآلية قانونية لإعادة الإدماج، وتمكين من ثبت إصلاحه من فرصة حقيقية للاندماج المهني.
إن اعتماد هذه الصياغة البديلة من شأنه أن يرفع عن النص شبهة عدم الدستورية، ويعيد إليه انسجامه مع المنظومة القانونية الوطنية والدولية، ويجسد التوازن المطلوب بين مقتضيات النظام العام المهني وضمانات الحقوق والحريات، وأما الإبقاء على الصيغة الحالية فإنه سيجعل من هذا الشرط أداة لإقصاء دائم ويحول مهنة المحاماة إلى فضاء مغلق في وجه فئة من المواطنين، رغم استيفائهم لباقي الشروط، وهو ما يتعارض مع روح الدستور ومع فلسفة العدالة ومع متطلبات دولة الحق والقانون.
وعليه فإن القول بأن شرط ولو رد اعتباره ليس مجرد قيد تنظيمي، بل هو في حقيقته إحياء لعقوبة زالت آثارها بحكم القانون وتحويل لها إلى جزاء دائم، وهو قول يجد سنده في التحليل الدستوري والفقهي والقضائي، ويبرر الدعوة إلى مراجعته تشريعيا بما يضمن انسجام النص مع المبادئ العليا للنظام القانوني، ويكرس مقاربة تقوم على الإدماج بدل الإقصاء، وعلى الأمل بدل الوصم، وعلى العدالة بدل الإقصاء الأبدي.

