الرئيسية آراء وأقلام الإعلام المدرسي: مشتل الوعي وبوابة التكوين المتكامل.

الإعلام المدرسي: مشتل الوعي وبوابة التكوين المتكامل.

IMG 20260205 WA00671
كتبه كتب في 6 فبراير، 2026 - 11:38 مساءً

بقلم :حبيل رشيد.

يُعدّ الإعلام المدرسي أحد الركائز التربوية التي تضطلع بدور محوري في بناء شخصية المتعلم وصقل مداركه المعرفية والسلوكية كما أكد جون ديوي بأن التربية عملية حياة متجددة، تتخلق داخل التجربة اليومية، وتنمو عبر التفاعل مع المجتمع، وحين تتحول المدرسة إلى فضاء يتيح التعبير والحوار والمشاركة، فإنها تصوغ عقلاً حراً قادراً على الفهم العميق، وصوتاً واعياً يحمل مسؤولية الكلمة ويستشعر أثرها في صناعة المصير الإنساني… فالتعليم الذي يمنح المتعلم فرصة الحديث والبحث والنقاش يصنع مواطناً يقرأ الواقع بوعي ويعيد تشكيله بإرادة.

وبالتالي فالإعلام المدرسي
فهو ليس نشاطاً ترفيهياً هامشياً داخل المؤسسة التعليمية، بل منظومة تكوينية متكاملة تتضافر فيها الأبعاد التربوية والثقافية والاجتماعية، بما يجعل المدرسة فضاءً نابضاً بالحياة الفكرية والتواصلية. ومن خلاله يكتسب المتعلم مهارات التعبير الحر، ويتشبع بقيم المواطنة، وينخرط في دينامية الحوار البناء، الأمر الذي يعزز قدرته على التفاعل الإيجابي مع محيطه.

إن الإعلام المدرسي يتخذ صوراً متعددة، تتجلى في الصحافة المدرسية، والإذاعة المدرسية، والأنشطة المسرحية، والمنتديات الثقافية، والوسائط الرقمية الحديثة. هذه التعددية تمنحه قدرة واسعة على استقطاب المتعلمين بمختلف ميولاتهم، كما تتيح لهم مجالات رحبة للإبداع والتجريب. فالمتعلم الذي يشارك في إعداد جريدة مدرسية يتعلم مهارات البحث والتحليل وصياغة الأفكار، بينما يكتسب المتعلم المنخرط في الإذاعة المدرسية جرأة الإلقاء وحسن التواصل وتنظيم الخطاب.

وعلاوة على ذلك، يسهم الإعلام المدرسي في ترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية لدى الناشئة، حيث يشكل منصة لنشر ثقافة التسامح والتعاون واحترام الآخر. فحين يُمنح المتعلم فرصة التعبير عن آرائه ومواقفه في إطار تربوي منضبط، فإنه يكتسب حس المسؤولية ويترسخ لديه الوعي بأهمية الكلمة وتأثيرها في المجتمع. ومن ثم يتحول الإعلام المدرسي إلى أداة فاعلة في تكوين المواطن الواعي بحقوقه وواجباته، القادر على المساهمة في تنمية مجتمعه.

كما يضطلع الإعلام المدرسي بدور بارز في تعزيز التواصل داخل المؤسسة التعليمية. فهو يتيح جسراً تفاعلياً يربط بين الإدارة التربوية والأساتذة والمتعلمين، بل ويمتد ليشمل الأسرة والمحيط الاجتماعي. ومن خلال هذا التواصل تتعزز الشفافية، وتُتاح الفرصة لتبادل الأفكار والمبادرات، الأمر الذي يسهم في تحسين المناخ التربوي داخل المدرسة ويجعلها فضاءً محفزاً على التعلم والإبداع.

وفي سياق التحولات الرقمية المتسارعة، أصبح الإعلام المدرسي مطالباً بمواكبة التطور التكنولوجي وتوظيف الوسائط الحديثة في خدمة العملية التعليمية. فالمنصات الرقمية والوسائط التفاعلية تتيح إمكانات واسعة لنشر المحتوى التربوي وتوسيع دائرة المشاركة الطلابية. غير أن هذا التحول يستوجب تأطيراً تربوياً رشيداً يضمن حسن استثمار التكنولوجيا ويحمي المتعلمين من الانزلاقات المرتبطة بالاستخدام غير المسؤول للوسائط الرقمية.

ومن زاوية أخرى، يسهم الإعلام المدرسي في اكتشاف الطاقات والمواهب لدى المتعلمين. فكثير من الكفاءات الصحفية والإعلامية انطلقت مسيرتها من فضاءات مدرسية بسيطة، حيث وجدت الفرصة الأولى للتعبير والتجريب. ومن هنا تتجلى أهمية احتضان هذه المواهب وتوفير التأطير اللازم لها، بما يفتح أمامها آفاقاً مهنية واعدة ويسهم في إعداد جيل قادر على إنتاج المعرفة وصناعة الرأي العام بوعي ومسؤولية.

غير أن تفعيل الإعلام المدرسي يواجه جملة من التحديات، من أبرزها ضعف الإمكانات المادية، وقلة التكوين المتخصص للمشرفين على الأنشطة الإعلامية، إضافة إلى محدودية الوقت المخصص لهذه الأنشطة داخل الزمن المدرسي. كما أن بعض المؤسسات التعليمية ما تزال تنظر إلى الإعلام المدرسي باعتباره نشاطاً ثانوياً، مما يحد من فعاليته ويقلص من تأثيره التربوي.

ولمواجهة هذه التحديات، تبرز ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية تجعل الإعلام المدرسي جزءاً أساسياً من المشروع التربوي للمؤسسة التعليمية. ويتطلب ذلك توفير الوسائل التقنية اللازمة، وتنظيم دورات تكوينية لفائدة الأطر التربوية، وتشجيع المتعلمين على الانخراط في الأنشطة الإعلامية عبر تحفيزات تربوية ومعنوية. كما ينبغي تعزيز الشراكات مع المؤسسات الإعلامية والثقافية، بما يتيح للمتعلمين الاطلاع على التجارب المهنية واكتساب مهارات عملية متقدمة.

إن الإعلام المدرسي، حين يُفعّل وفق رؤية تربوية متكاملة، يتحول إلى مدرسة داخل المدرسة، ينهل منها المتعلم قيم الحوار والانفتاح، ويكتسب عبرها مهارات التفكير النقدي والتحليل الموضوعي. فهو مجال رحب لتكريس التعلم الذاتي، وتنمية روح المبادرة، وترسيخ ثقافة العمل الجماعي. ومن خلاله يتعلم المتعلم كيف يصوغ أفكاره بوضوح، وكيف يصغي إلى الآخرين باحترام، وكيف يحول المعرفة إلى خطاب مؤثر يسهم في الارتقاء بالمجتمع.

وفي المحصلة، يمثل الإعلام المدرسي رافعة تربوية استراتيجية قادرة على إحداث تحول نوعي في المنظومة التعليمية، إذا ما توفرت له الشروط الملائمة للتفعيل والتطوير. فهو ليس مجرد نشاط موازٍ، بل هو مسار تكويني متكامل يسهم في إعداد الإنسان المتوازن فكرياً وسلوكياً، القادر على مواكبة التحولات المجتمعية والمشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل. ومن هنا تظل العناية بالإعلام المدرسي استثماراً حقيقياً في بناء أجيال واعية، تحمل مشعل المعرفة وتسهم في ترسيخ ثقافة الحوار والتنوير داخل المجتمع.

مشاركة