ازدواجية الخطاب الإعلامي بخصوص من يقدم التفاهة و رمضان يكشف من يُحاضر في “المحتوى الهادف”؟
في كل موسم رمضاني، تعود إلى الواجهة أسطوانة “المحتوى الهادف” و”حماية الذوق العام”، وتتعالى أصوات بعض المؤسسات الإعلامية العريقة لتُحاضر في أخلاقيات المهنة، مُصوِّبة سهام النقد نحو المنصات الرقمية والإعلام الإلكتروني، وواصفةً محتواه بـ”التافه” و”الرديء” الذي لا يرقى إلى مستوى المتلقي المغربي.
غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذه المؤسسات نفسها تبث، خلال الشهر الفضيل ذي الحمولة الدينية والروحية، أعمالًا درامية وكوميدية تُثير أكثر من علامة استفهام.
يعرف المشهد السمعي البصري الوطني خلال رمضان سباقًا محمومًا على نسب المشاهدة والإعلانات، ما يدفع بعض القنوات إلى برمجة مسلسلات توصف بكونها “خفيفة” أو “شعبية”. لكن الإشكال لا يتعلق بخفة الطرح في حد ذاته، بل بطبيعة المضامين المقدَّمة:
شخصيات كوميدية تُختزل في خطاب “زنقاوي”، وصور نمطية تُقدَّم على أنها تمثل الثقافة المغربية، ومشاهد حوارية تُلامس حدود الإثارة المجانية، من قبيل أمٍّ تخاطب أبناءها بعبارات صادمة حول علاقة عاطفية، في سياق لا يخدم الحبكة بقدر ما يخدم “البوز”.
السؤال هنا ليس أخلاقيًا فقط، بل مهني أيضًا: هل يُعقل أن تتحول الثقافة المغربية الغنية والمتنوعة إلى قوالب فكاهية سطحية؟ وهل يُختزل المجتمع المغربي في لغة الشارع وحدها، وكأن الرقي اللغوي والفكري استثناء؟
رمضان في الوجدان المغربي ليس مجرد موسم تلفزيوني، بل مناسبة روحية واجتماعية تُعيد ترتيب الأولويات. لذلك ينتظر جزء واسع من الجمهور أعمالًا تُراعي خصوصية الشهر، وتحترم القيم المجتمعية، دون الوقوع في الوعظ المباشر أو الخطاب الأخلاقي المتشدد.
غير أن بعض البرمجة تُظهر انفصالًا بين الخطاب المُعلن عن “المحتوى الهادف” والممارسة الفعلية التي تُغذّي الإثارة والتسطيح.
لا يمكن إنكار أن جزءًا من المحتوى الرقمي يعاني من الرداءة، كما أن بعض المنصات تبحث عن الإثارة على حساب الجودة. لكن التعميم فيه ظلم وتبسيط.
الإعلام الإلكتروني في المغرب أفرز تجارب جادة، ومنصات تحليلية وثقافية ورياضية تحظى بمتابعة واسعة، خصوصًا لدى الشباب، لأنها تلامس قضاياهم بلغة قريبة منهم دون ادعاء وصاية.
بل إن التحول الرقمي فرض على المؤسسات التقليدية نفسها الانخراط في المنصات الجديدة، ما يجعل الفصل بين “تقليدي محترم” و”رقمي تافه” طرحًا متجاوزًا للواقع.
المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل فتح نقاش مهني حول معايير الجودة، ودور الهيئات التنظيمية، ومسؤولية المنتجين والكتّاب والمخرجين في صون الذوق العام دون خنق حرية الإبداع.
فالمتلقي المغربي لم يعد متلقيًا سلبيًا؛ هو يُقيّم ويُقارن ويُعبّر عن رأيه عبر وسائل التواصل، ويُعاقب العمل الرديء بهجره، كما يُكافئ العمل الجيد بالانتشار.
المصداقية لا تُقاس بعمر المؤسسة ولا بتاريخها، بل بقدرتها على الانسجام بين خطابها وممارستها. ومن يُطالب بالمحتوى الهادف، عليه أولًا أن يُجسّده في برمجته، خاصة في شهر تُرفع فيه شعارات القيم والهوية والاحترام.
