الرئيسية أحداث المجتمع مراكش الحضارة.. تاريخ لا ينسى..

مراكش الحضارة.. تاريخ لا ينسى..

IMG 20190620 WA0087 1.jpg
كتبه كتب في 20 يونيو، 2019 - 12:10 مساءً

ع. السباعي/صوت العدالة

بقلم : عبد الكريم زهرات

تتسارع دقات الزمان، ويحول بين المرء ونفسه أحداث تشغله عن الوصول إلى الصفاء المتجلي في نظرة يلقيها على مصدر تاريخي أو لمسة أثر.
نظرة تمده بمعلومات عن مكان هويته، ولمسة تعيد الى ذاكرته ما أخذه الزمان منها .
كم يطيب لي المقام بين جوانب حضارتنا، مستحضرا أمجادا وبطولات صنعها أجدادنا وخلفوها أمانة في عنقنا ويا ويحنا إن ضيعنا الأمانة.

IMG 20190620 WA0088


أجوب بين جنبات قصر البديع فتحدثني قبابه عن هويتي حديثا يخجلني لأنني لم أؤد ما علي من طقوس الاحترام والتقدير، ويقفز إلى ذاكرتي بيت من الشعر
كل شيء بعد البديع يذم فيه طاب الجنى وفيه يشم
إي والله إني لأشم جناك يا بديع، وأرى المنصور محاطا بحرسه وموكب المهابة يملئ جنباتك في احتفال بهيج يقام على شرفي أنا الزائر الآتي من زمن تنكر لهويته فارتمى في أحضان حضارة حسبها تغني عن حضارته وثقافة تريده ان يكون تابعا بعد أن كان متبوعا.
أقف أمام القبة الخمسينية مستحضرا أشعار الفشتالي على جنباتها ولا يحضرني سوى بيت شعر يخطفني من نفسي ويأخذني لأشارك موكب الاحتفال.
سموت وخر البدر دوني وانحطا وأصبح قرص الشمس في أذني قرطا
أردد البيت مرات، وفي كل مرة أحس بالخجل يكاد يقتلني لأن زياراتي السابقة كانت جسدا بلا روح.
الآن أزدهي بكل نظرة أنظرها، وبكل لمسة ألمسها، وموكب الاحتفال لازال مستمرا على شرفي.
يا روعتي وأنا أواصل الزيارة وأمارس المشي بين قبابك يا بديع: قبة الذهب، القبة الزجاجية، القبة الخضراء،…الخ ويا بهجتي وأنا أصعد المصرية لأطل على فنائك الشاسع، وصهاريجك الرائعة، وحدائقك الغناء.
أغادر القصر متجها إلى قبور السعديين حيث يرقد ملوك دولة صنعوا الحضارة حتى في أماكن دفنهم، فالنقوش التي تزين القباب المأتمية تشهد بهذه الحضارة وتجعل الزائر يقف مندهشا أمام هذه العظمة.
أقف أمام القبة التي يرقد فيها أحمد المنصور فأستحضر أعماله ومنجزاته ، فأنا قد عدت من قصره وتركت الاحتفالات هناك لأدعو الله أن يرحمه ويرحم هؤلاء الملوك والأمراء الراقدين على يمينه ويساره.
أتجه إلى قبر أمه لالامسعودة مستحضرا ذلك اليوم الذي أمرت فيه ببناء مسجد باب دكالة وملحقاته فتتملكني رغبة في أن أصيح بأعلى صوتي أمام الزائرين الكثر: أنظروا ما فعلته المرأة المغربية.

IMG 20190620 WA0087


استحضر منجزات ملوك هذه الدولة العظيمة، عبد الله الغالب وبنائه لمسجد الأشراف بالمواسين والملاح والبيمارستان المجاور للطالعة….وغيره من ملوك هذه الدولة العظيمة. ثم أغادر المقبرة بعدما أديت واجب الزيارة والدعوة بالرحمة لهؤلاء الراقدين لأترك مكاني لزائر بدأ يضيق ذرعا من طول وقوفي، متلهفا للمشاهدة.
خرجت من المقبرة لتستقبلني القصبة بحركيتها المعهودة، فلقد فرض علي ضيق الوقت أن أمر عليها مرور الكرام. أنا الآن وسطك يا تامراكشت، أعود القهقرى إلى عصر الموحدين وبالضبط إلى عهد يعقوب المنصور الموحدي وأراه قد أصدر أوامره ببنائك وشدد على أن تكوني في احلى حلة حتى صرت مفخرة للمغرب.
اتجه نحو قصر الباهية لأنزل في ضيافة تلك العائلة المخزنية التي احتل أفرادها مناصب أساسية في الدولة خلال القرن التاسع عشر، فيستقبلني أحمد بن موسى االبخاري، ويسمح لي بولوج قصره فأدهش لما أراه من فنون العمارة والزخارف والنقوش، وأواصل الزيارة في جنباته وأركانه وأرى الزوار الأجانب مندهشين لما يرون فأمر بينهم مزهوا بنفسي ولسان حالي يقول لهم: انظروا إلى ما صنعه أجدادي، هل منكم من ينكر علي زهوي وافتخاري وانتم ترون ما ترون.
وأغادر القصر وأنا أحمد ربي أن زيارتي الان لم تكن جسدا بدون روح، أنهي زيارتي للقصر لأواصل مسيرة الزيارة والتأمل في كل آثار مراكش الحبيبة: قصر سي سعيد الذي تحول إلى مجمع لفنون وابداعات خلفها الصانع المغربي، ومدرسة ابن يوسف حيث كان الاهتمام بالعلم ياتي في المقام الأول، وقبة المرابطين، ومسجد ابن يوسف، وساحة الكتبيين ومسجديها والقائمة طويلة.
يكفي أن يكون لك إحساس بالأثر لتراه في كل جنبات مراكش العتيقة، ولكن يجب ان يتبع هذا الإحساس رغبة في الحفاظ على ما تبقى من هذه الآثار كل حسب جهده. لكن حذار من أن تفعل شيئا لا تحس به، فلن يزيدك ذلك إلا إهمالا لهذه الآثار ونحن في غنى عن أفعال المهملين.
إننا لا نستطيع التقدم خطوة واحدة في الحفاظ على آثارنا وتراثنا ما لم نحب هذه الآثار وهذا التراث، فالحب هو البداية الحقيقية نحو ذلك.

مشاركة