بقلم: الدكتور عبد الرحيم موهوب
- دكتور متخصص في المادة الجنائية ونظام الإثبات الجنائي
- دكتور في علم الاجتماع السياسي
تخيل للحظة أنك تستيقظ في صباح يوم عادي وتتصفح هاتفك لتجد صورتك تتصدر جميع المواقع الإخبارية، وعنوان عريض يخبر العالم أنك “قاتل متوحش”، وأنك “دهست ضحية بسيارتك عمدا”، وأنك “ولد مدلل من عائلة ثرية تعتقد أن كل شيء مباح”، وتخيل أن آلاف التعليقات تتهمك بالوحشية وتطالب بإعدامك، بينما أنت تحدق في الشاشة وأنت لم تفعل شيئا، وتخيل أنك تحاول أن تتذكر تلك الليلة، فلا تجد في ذاكرتك سوى ومضات مبهمة وظلاما كثيفا ثم تصطدم بحقيقة مرعبة، وهي حتى أنت لست متأكدا مما حدث لأنك كنت فاقدا للوعي تحت تأثير صدمة لا تتذكر تفاصيلها، وتخيل أن تجد نفسك فجأة في قفص الاتهام ونظر الملايين مثبتة عليك وكأن حكم الإعدام قد صدر بالفعل قبل أن تفتح فمك للدفاع عن نفسك.
إن هذا ليس سيناريو فيلم رعب بل هذا هو ما حدث لشاب مغربي يدعى أشرف صديقي، وهو شاب مثل أي شاب آخر وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة إعلامية هوجاء، ليس لأنه مجرم محترف بل لأنه كان في المكان الخطأ في الوقت الخطأ ولأنه ينتمي إلى طبقة اجتماعية معينة جعلت منه هدفا سهلا لسخرية الجمهور وغضبه، فقد تحول اسمه الحقيقي إلى لقب ألصق به كالوصمة وهو “ولد الفشوش”، وهو لقب يختزل كل الصور النمطية عن الشاب المدلل وابن طبقته والمستهتر بأرواح الناس، فلم يحتج أحد إلى دليل بل اللقب نفسه كان كافيا “ولد الفشوش” يعني بالضرورة أنه مذنب لأنه من الطبيعي أن يكون أبناء الطبقة المترفة القتلة المتعجرفين أليس كذلك؟ وتلك هي العدالة التي صنعها الإعلام المؤسسة على عدالة الصورة النمطية قبل عدالة المحكمة.
إنني لا أعرفك أيها القارئ ولا أعرف من تكون لكنني متأكد من شيء واحد، وهو لو كنت مكان أشرف صديقي اليوم ولو كنت أنت ذلك الشخص الذي استيقظ ليجد اسمه مفضوحا على كل شاشة ووجهه ملطخا بتهم لم يرتكبها وسمعته ممزقة بأيدي صحفيين لم يسألوا عن دليل، لكنت شعرت بنفس الرعب ونفس الوحدة ونفس الإحساس بأن العالم كله أصبح ضدك، حوا أن تفكر في ذلك لدقيقة وتخيل أن قرار مصيرك لم يعد بيد القضاء بل بيد “ترند” على تويتر وبيد “لايكات” على فيسبوك، وتخيل أن المحكمة التي ستحاكمك ليست قاعة عدالة بل غرفة دردشة عامرة بالكراهية والانتقام، فهذا هو الظلم الحقيقي فهو ليس الظلم الذي يمارسه قاض جائر بل الظلم الذي تمارسه جماهير غاضبة قنعتها العناوين المثيرة ولم تنتظر الحقيقة.
في تلك الليلة من شهر يوليوز وعلى وقع صراخ ومشاجرة في مطعم للوجبات السريعة سقط الضحية بدر بولجواهل، وهو شاب في مقتبل العمر فارق الحياة في ظروف مأساوية، فلا يختلف اثنان على فداحة ما حدث ولا يختلف اثنان على أن هناك من يجب أن يحاسب، لكن مأساة القضية أن الجميع أسرعوا إلى توجيه أصابع الاتهام نحو شخص واحد قبل أن تستكمل التحقيقات، وقبل أن تنتهي الخبرات التقنية وقبل أن يدلي الشهود الحقيقيون بأقوالهم، فقد تقمص الإعلام التشهيري والفضائحي دور القضاء وأصدر حكما مسبقا بأن أشرف صديقي هو القاتل الوحيد، وكانت العناوين تصرخ ب “ولد الفشوش يدهس شابا بعين الذئاب” و”أشرف صديقي قاتل بدم بارد”، وتحول اسمه إلى مرادف للوحشية وكأن لا مشكلة في أن يتجاهل الجميع حقيقة أن هناك أربعة متهمين آخرين في القضية، وكأن لا قيمة للقول بأن المتهم أمين رياض أقر مرارا بأنه هو السائق.
إن البراءة أيها القارئ سلعة غالية الثمن في زمن الإعلام المتهافت السريع، فبمجرد أن تلوح في الأفق تهمة وبمجرد أن تلتقطها عدسات الكاميرات يبدأ العد التنازلي لموت السمعة، فالبراءة لم تعد تفترض حتى تثبت الإدانة بل صارت الإدانة تفترض حتى تثبت البراءة، وهكذا هو الإعلام حين يسبق القضاء.
ففي دراما القضاء الشعبي هذا كان الجميع مشغولين ببناء قصة مثيرة، وهي قصة “الغني القاتل” و”الفقير الضحية”، وهذه هي الرواية التي علق عليها المعلقون وهذه هي القصة التي سارت على ألسنة الناس، فأشرف صديقي الشاب الذي ينتمي إلى عائلة معروفة في عالم المقاولات والأعمال أصبح في لحظة تجسيدا لكل ما هو فاسد ومتعجرف، بل نسبت إليه صفات لم تكن فيه وتم تحويله إلى وحش أسطوري في مخيلة المتابعين، والقليلون هم من تذكروا أن القرآن الكريم يقول: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا”، وكأن الوصية الإلهية بالتثبت لم تعد تنفع في زمن السبق الصحفي.
وهكذا بدأت المحاكمة، فهي محاكمة لم تكن محصورة داخل أسوار المحكمة بل كانت مبثوثة على الهواء مباشرة يعلق عليها الملايين ويبدون آراءهم ويدينون أو يبرئون، والمحاكمة في المرحلة الابتدائية التي كان يفترض أن تكون ملاذا للحياد والموضوعية يبدو أنها لم تسلم أيضا من تأثير هذه العاصفة، فقد تأثر القضاة مثلهم مثل بقية البشر وربما شعروا أنهم تحت المجهر، وأن أي تساهل مع المتهم سيعتبر خيانة لدم الضحية وتخاذلا أمام غضب المتابعين.
فلا أحد ينكر مشاعر التعاطف مع عائلة الفقيد ولا أحد يقلل من قيمة الروح التي ذهبت هدرا، لكن هل يمكن أن ننسى أن للآخرين حقا في البراءة أيضا؟ وهل يمكن لشخص أن يتحمل وزر تهمة لم يقترفها فقط لأن اسم عائلته يروج في دنيا المال والأعمال؟
فكم هو مؤلم أن تشاهد قضيتك تتحول إلى مسرحية وأن تشعر بأن صوتك لا يصل وأن الحقيقة التي تحملها وأنت تعرفها لا تجد من يستمع إليها، فأشرف صديقي وهو يحاول أن يدافع عن نفسه في جلسات المحاكمة كان يصرخ بصمت “أنا لست ذلك القاتل الذي تبحثون عنه”، وكان يقول “لم أكن أقود السيارة ولم أكن في السيارة أصلا”، لكن صوته كان يضيع في ضجيج الاتهامات وفي حمى التعليقات وفي سباق الإثارة الدرامية التي يستسهلها الإعلام.
لكن الحقائق مهما تأخرت تظل حقائق، ومع مرور الوقت بدأ الغبار يخف قليلا وبدأت بعض التفاصيل تتكشف خارج دائرة الضوء، وظهرت أدلة جديدة في مرحلة الاستئناف وهي أدلة لم تكن مطروحة في المحاكمة الابتدائية وكشفت عن زيف الرواية التي بنيت عليها قضية الإدانة السريعة.
فالخبرات التقنية المستقلة التي أمرت بها المحكمة والتي أجريت على تسجيلات كاميرات المراقبة، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن أشرف صديقي لم يكن يقود السيارة، وثبت أن السائق الحقيقي كان شخصاً آخر هو المتهم أمين رياض الذي كان يرتدي قميصا أبيض، وأما أشرف صديقي فكان يرتدي ملابس سوداء محاولا فقط أن ينجو بنفسه من كومة الجثث التي رفعها الإعلام على كتفيه، بل إن الخبرات أثبتت أن السيارة توقفت لمدة ثلاث ثوان وأشعلت أضواءها الكاشفة أربع مرات وهو سلوك لا يمكن لأي قاتل متعمد أن يقوم به، فالقاتل المتعمد لا يتوقف ولا يحذر الناس بل يباغتهم بالهجوم، والذي ظهر في الخبرات أنه سلوك شخص خائف وشخص انهار وشخص حاول فقط أن يبتعد عن الزحام المخيف الذي فاجأه.
ثم جاءت شهادات ثمانية شهود عيان لم يكونوا طرفا في الخصومة من رجال ونساء رأوا الواقعة بأعينهم، ولم يغرقوا في مستنقع الاتهامات المتبادلة بين المتهمين وصرحوا جميعا بصوت واحد أن السائق كان يرتدي الأبيض والسائق كان شخصا آخر ولم يكن أشرف صديقي هو ذلك السائق، وحتى التقرير الطبي الذي كان يمكن أن يكون شاهد إثبات قوي قلب الموازين عندما أعيدت قراءته، فأظهر التقرير أن إصابات الرأس كانت شديدة جدا لدرجة أنها كانت كافية وحدها لإحداث الوفاة، مما يعني أن اللكمات التي سبقت الدهس ربما كانت هي السبب الحقيقي، وأما الجسم فكان سليما نسبيا ما يعني أن الدهس لم يكن بالعنف الذي يصفه الاتهام.
وهذه الأدلة لو كانت مطروحة منذ البداية لربما كانت ستغير صورة القضية في الرأي العام، لكنها ظهرت متأخرة بعد أن دفعت السمعة ثمنا غاليا وبعد أن التصقت بتهمة “ولد الفشوش” بأشرف صديقي، وبات من الصعب فك هذا الالتباس من أذهان الناس بسهولة.
وهنا تتجلى خطورة الرأي العام المتسرع القابل للانقياد خلف أي إثارة، فالرأي العام الذي يصدر أحكاما دون محاكمة ولا يتردد في إعدام المتهمين على صفحات الجرائد ومواقع التواصل، وهذا الرأي العام الذي ينسى بسرعة أنه بالأمس القريب في قضايا مشابهة ثبتت براءة آخرين بعد أن دفعوا سنوات من حياتهم ثمنا لانفعالات لحظية.
فمن يتذكر قضية الفتيات الخمس في سنترال بارك، وهم خمسة مراهقين سود أدينوا إعلاميا قبل أن تثبت أدلة الحمض النووي براءتهم بعد سنوات قضوها في السجن، ومن يتذكر قضية سالي كلارك، تلك الأم البريطانية التي أدينت بقتل طفليها ثم ثبت لاحقا أنها ماتت لأسباب طبيعية، وهي كلها قصص حقيقية لأبرياء سحقتهم المطارق الإعلامية قبل أن تنطق المحاكم بكلمتها، وتوجد قصص كثيرة لكننا لا نتعلم منها شيئا وكل قضية جديدة نعيد فيها نفس الأخطاء، ونرمي بأبرياء جدد في جب الاتهامات الشعبية ثم نلتفت إلى قضية أخرى ونتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم.
وفي قضية أشرف صديقي كان يمكن أن تتجنب المحكمة الابتدائية الكثير من الأخطاء لو أنها أصرت على مبدأ التثبت، ولو أنها استجابت لطلب الدفاع بإجراء خبرة تقنية مستقلة على الفيديو قبل أن تصدر حكمها، ولو أنها استمعت إلى شهود محايدين يمكن أن يقدموا رواية مختلفة، لكن ضغط الوقت وضغط الإعلام وربما الضغط الفيسبوكي وغيره جعل القضاة يتسرعون.
فالاحتمال الكبير أن المحكمة في مرحلتها الابتدائية سايرت رضى الجمهور، فظهرت بمظهر الحازم التي لا يتهاون في جرائم القتل، وهذا هو الفخ الذي يقع فيه الكثير من القضاة في القضايا الكبرى في جميع دول العالم وعبر تاريخ القضاء، فبدلا من أن يكون القضاء حصنا منيعا للأبرياء ضد الأهواء الجماهيرية تحول أحيانا إلى أداة لتنفيذ أحكام الشارع.
إن العدالة الحقيقية لا تتزعزع أمام الشعبية وتستطيع أن تقول للجمهور لا عندما يكون مخطئا، فالعدالة الحقيقية هي التي تقول “لا يهمني ما يطلبه المئات أو الآلاف فأنا أبحث عن الحقيقة ولن أتردد في إعلان براءة شخص لو ثبتت براءته حتى لو صاح الغوغاء في وجهي”.
وفي قصة أشرف صديقي التي هي قصة أشخاص كثر قبلهم نكتشف أن الخطر الأكبر لا يتمثل في الجريمة الأصلية بقدر ما يتمثل في رد الفعل الجماعي تجاهها، فالجريمة بكل بشاعتها تقع وتنتهي، لكن الظلم الناتج عن اتهام بريء قد لا ينتهي أبدا، فالسمعة التي تهدم في ثوان قد لا تبنى مرة أخرى أبدا.
إن الغاية من هذا ليس الدفاع عن متهم بعينه بقدر ما يدافع عن حلم العدالة، وهو حلم العدالة الذي نعيش به والذي نريد أن نراه قائما في مجتمعنا، وإذا كنا نريد حقا أن نكون عادلين فعلينا أن نبدأ من حيث يجب أن تبدأ العدالة، وذلك من افتراض البراءة حتى تثبت الإدانة ومن التثبت في الأخبار قبل تناقلها ومن إعطاء المتهمين فرصة للدفاع عن أنفسهم دون أن نحكم عليهم مسبقا.
ففي مجتمع تسوده السرعة ويغرق في التفاهات بات من السهل أن نجلس على كرسي القضاء ونحن نحدق في الشاشات، وبات من السهل أن نشعر بالرضا عن أنفسنا ونحن نضغط على زر “أعجبني” لمنشور يدين شخصا لا نعرفه، لكن هذا ليس عدلا بل هذا هو بالضبط عكس العدالة، فالعدالة تتطلب الجهد وتتطلب القراءة وتتطلب التروي والتأمل وتتطلب الشجاعة للدفاع عن الحق حتى لو لم يكن شعبيا، وقد ذهب رجال كثر ضحايا للشعبية المقيتة وماتوا وهم يتجرعون مرارة الظلم بعد أن صفق لهم الجمهور أثناء مقتلهم.
إن أشرف صديقي الذي جاء من عائلة تعمل في المقاولات والبناء، وجد نفسه وحيدا في مواجهة طوفان من الاتهامات، ولم ينفعه مال أسرته ولم تنفعه مكانته لأن الغضب الشعبي لا يفرق بين غني وفقير عندما يريد التهام ضحيته، ففي تلك اللحظة يكون الجميع متساوين أمام قسوة الكلمات وأمام حدة الاتهامات وأمام سرعة الأحكام.
فلم تكن عائلته هي التي دفعته إلى قفص الاتهام بل كانت الصورة النمطية التي رسمها الإعلام عنه، “ولد الفشوش” ليس اسما بل هو وصمة، وهي وصمة تختزل كل التحيزات الطبقية وكل الكراهية المختزنة وكل الرغبة في رؤية “المترفين” وهم يتلقون جزاءهم، ففي تلك القصة لم يعد الجاني مجرما عاديا بل أصبح رمزا وأصبح رمزا للطبقة التي يعتبرها الفقراء مضطهِدة فكان لا بد من سحق الرمز لإشباع نهم الجماهير الغاضبة.
والعجيب أن الجماهير لا تسأل عن الأدلة إن كانت كافية، وهل هناك شهود آخرون وهل هناك اعترافات متناقضة أم لا، فالجماهير تريد الانتقام والانتقام لا يناقش.
لكن هل يمكن لوم الجمهور وحده؟ فعندما يقرأ الجمهور عناوين عريضة تفيد بأن “فلانا ابن الأغنياء دهس طالبا وقتله”، ويتابع تحليلات مثيرة فإن استعداده للتصديق يكون كبيرا، وكأن إعلامنا اليوم صار يبيع لنا قصصا جاهزة ولا يحتمل فيها أن تكون الأمور أكثر تعقيدا، أو أن يكون هناك متهمون آخرون أو أن يكون هناك خطأ في التعرف على الأوجه أو أن تكون التقديرات الطبية خاطئة، فالإعلام يريد الدراما والعدالة تريد الحقيقة، وفي الصراع بينهما غالبا ما تنتصر الدراما لأن الجمهور يمل من التفاصيل ويتوق إلى الانتصار السريع على الشر.
إن أشرف صديقي وحده يعلم كم عانى وهو يسمع اتهامات باطلة وكم تحمل من ألم نفسي قبل أن يواجه عقوبة السجن، فالسجن مكان مخيف للجميع لكنه مرعب أكثر لمن يعرف أنه بريء، فأن تغلق خلفك الأبواب الحديدية وتعلم أنك لم تفعل شيئا بينما العالم كله يعتقد أنك وحش، فهذا هو أقسى عقاب يمكن أن يتعرض له إنسان.
لكن وسط هذا الظلام ثمة بارقة أمل ظهرت في مرحلة الاستئناف، فهناك أدلة جديدة تكاد تكون حاسمة في إثبات براءة أشرف صديقي، وتلك الأدلة لم تكن لتظهر لولا إصرار بعض المحامين والمختصين على إعادة قراءة الملف بعيدا عن ضجيج الإعلام، فقد أثبتت الخبرات التقنية المستقلة التي أمرت بها المحكمة أن عدد الأشخاص الذين صعدوا إلى السيارة كان ثلاثة فقط وليس أربعة وأن أشرف صديقي لم يكن بينهم، لذا كيف يمكن أن يكون هو السائق وليس في السيارة؟، فهذه المفارقة المنطقية البسيطة كافية لهدم قضية الاتهام لوحدها لكن كم من الناس من تنبه لها وسط الصخب؟
إنها لحظة فارقة في تاريخ هذه القضية، وهي لحظة يمكن فيها تصحيح خطأ قضائي وإعلامي كبير، ولحظة يمكن فيها اثبات أن القضاء الاستئنافي يختلف عن الابتدائي، وأنه ليس مجرد تأكيد تلقائي للحكم السابق بل هو محكمة موضوع حقيقية، وإنها فرصة لأن يقول القضاء للمجتمع: “قد نخطئ لكننا نعترف بخطأنا ونصححه”، وهذه هي السمة الحقيقية للعدالة الناضجة التي تعترف بالخطأ و لا تتشبث بحكم خاطئ خوفا من المساءلة.
ففي أحد مشاهد المحاكمة وقف المتهم أشرف صديقي لينفي التهمة وينفي معرفته بتفاصيل الحادثة بسبب فقدانه للوعي، وكان القضاة ينظرون إليه وربما كانوا يتساءلون: هل هذا هو “ولد الفشوش” الذي روته الصحف؟ وهل هذا الشاب المرتجف الذي لا يستطيع تذكر شيء هو نفسه القاتل المتعمد الذي صورته وسائل الإعلام؟ فلحظات مثل هذه قد تخلق شكا في قلوب القضاة، لكن الشك في القانون الجنائي يعني البراءة والحكم الابتدائي لم يراع ذلك.
أما الآن وبعد أن ظهرت الحقائق العلمية الجديدة فربما أصبح القضاء في موقف أفضل، وصار لديه أدلة ملموسة وشهادات من أشخاص مستقلين وقراءات طبية أكثر دقة، وصار بإمكانه أن يزن الأمور بميزان أكثر موضوعية وصار بوسعه أن يعلن براءة المتهم من دون أن يخسر مصداقيته، بل بالعكس ذلك سيعزز مصداقيته كقضاء نزيه لا يخضع للضغوط.
لذلك أيها القارئ قبل أن تحكم على أي قضية أخرى في المستقبل تذكر ما حدث هنا، وتذكر أنك قد تكون أنت الضحية القادمة فمن يدري؟ فربما غدا يتهمك أحدهم بجريمة لم ترتكبها وتجد نفسك فجأة وحيدا أمام كاميرات التلفزيون التي لا تعرف الرحمة، وعندها ستحلم بقاض ينصت إليك وبصحافة تسأل قبل أن تكتب وبجمهور يتريث قبل أن يصدر حكما، وعندها فقط ستعرف قيمة البراءة التي ضاعت في زوبعة الإعلام.
لعلك أيها القارئ تنظر لأشرف صديقي الآن ولعلك لا ترى “ولد الفشوش”، بل لعلك ترى شبح إنسان بريء ظل يكافح لأشهر طويلة ليسترد حياته المسلوبة، ولعلك ترى مرآة يمكن أن تعكس صورتك أنت في يوم من الأيام لو أن القدر حكم أن تكون في مكانه.
فليس مهماً أن يكون أشرف صديقي بريئا في النهاية، بل المهم هو أن تصبح عدالتنا وإعلامنا وأنفسنا أكثر قدرة على احتمال التعقيد، وأكثر استعدادا لقبول أن الجاني قد لا يكون من تتصوره وأن الضحية قد لا تكون من تظنها، والمهم هو أن نعرف أن البراءة حلم يتحقق بصعوبة في زمن الانفعالات الجماعية، لكنه يظل ممكنا إذا ما تمسكنا بالقيم التي تأسست عليها المحاكم.
نعم فالإعلام قد يضلل والجمهور قد يندفع لكن القضاء العادل كما قال الحكماء، هو الملاذ الأخير للبشرية، فلنأمل أن يكون القضاء في القضية الأخيرة في مستوى هذه المسؤولية العظيمة، ولنأمل أن يخرج أشرف صديقي من هذه المحنة ليس فقط منتصرا، بل لينقل إلينا درسا مؤداه أن العدالة قد تتأخر لكنها لابد أن تصل وأن الحق وإن غاب زمانا لابد أن يعود إلى نصابه، وهذا هو الأمل الذي يبقينا بشرا، وهذا هو الإيمان الذي يجعلنا نستمر في النضال من أجل عالم أكثر إنصافا، حتى لو كنا وحدنا في وجه العالم كله، وكما كان أشرف صديقي وحيدا في وجه الإعلام والجمهور حين تآمرت عليه الدنيا، لكنه لم يكن مذنبا ولم نكن نعلم وكنا جميعا متفرجين نردد الاتهامات ونصفق دون أن نفكر ولو لمرة: ماذا لو كنت أنا مكانه؟
