الرئيسية أحداث المجتمع ملتقى ربيع ركراكة في دورته الثانية بالصويرة يدعو إلى تحويل التراث الصوفي إلى رافعة للتنمية الترابية المندمجةشهدت مدينة الصويرة أيام 24 و25 و26 أبريل 2026.

ملتقى ربيع ركراكة في دورته الثانية بالصويرة يدعو إلى تحويل التراث الصوفي إلى رافعة للتنمية الترابية المندمجةشهدت مدينة الصويرة أيام 24 و25 و26 أبريل 2026.

IMG 20260509 WA0166
كتبه كتب في 10 مايو، 2026 - 9:46 صباحًا

انعقاد أشغال الدورة الثانية من “ملتقى ربيع ركراكة” تحت شعار: “دور ركراكة من الروحي والتراثي إلى التنمية الترابية المندمجة”، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والإعلاميين والفاعلين في مجالات التراث والتنمية، في محطة علمية وفكرية شكلت مناسبة لتعميق النقاش حول سبل تثمين التراث الصوفي المغربي وتحويل المواسم التقليدية، وفي مقدمتها موسم ركراكة، إلى رافعة حقيقية للتنمية المجالية المستدامة مع الحفاظ على القيم الروحية والثقافية الأصيلة.

وعرفت الجلسة الافتتاحية حضوراً وازناً تقدمه السيد عامل إقليم الصويرة، إلى جانب عدد من المنتخبين والمسؤولين المحليين والإقليميين، والسيد نقيب زوايا ركراكة بالمغرب، ورئيس المجلس العلمي المحلي، وممثلي الجهات المنظمة، فضلاً عن حضور أكاديمي ومؤسساتي متميز ضم ممثلين عن سبع مؤسسات جامعية وطنية ومؤسسات دستورية، في دلالة واضحة على تنامي الاهتمام الرسمي والعلمي والإعلامي بالتراث الصوفي المغربي وسبل تثمينه.

كما تميز افتتاح الملتقى بتنظيم حفل لتوزيع جوائز مسابقة الأفلام الوثائقية القصيرة الموجهة لتلاميذ التعليم الثانوي التأهيلي بالمجال الجغرافي للموسم، والتي تناولت مختلف تمظهرات “الدور” وأبعاده الرمزية والثقافية والاجتماعية.
واعتمد الملتقى مقاربة متعددة التخصصات جمعت بين التحليل الأنثروبولوجي والتاريخي والسوسيولوجي، إلى جانب مقاربات قانونية وتنموية، من خلال جلسات علمية ومحاور موضوعاتية تلتها نقاشات مفتوحة أغنت مضامين الملتقى وعمقت الرؤية الجماعية حول مستقبل التراث الركراكي.

وفي المحور الأول، المتعلق بالمقاربة العامة، أبرز المتدخلون البعد الروحي والاجتماعي العميق لموسم صلحاء ركراكة، مؤكدين على الدور التاريخي للتصوف والزوايا في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال وتعزيز الهوية الوطنية المغربية.

كما توقف المشاركون عند مفهوم “اقتصاد البركة”، باعتباره نموذجاً رمزياً يجمع بين البعد الروحي والاقتصادي، قائم على مبادئ العطاء والتضامن والتكافل الاجتماعي، بما يساهم في خلق دينامية تنموية تتجاوز البعد المادي نحو التنمية الثقافية والروحية الشاملة.

وأكد الباحثون أن التصوف المغربي يتميز بطابعه العملي الوسطي الذي يجمع بين العبادة والعمل الاجتماعي، كما شددوا على ضرورة تطوير مقاربات أنثروبولوجية وسوسيولوجية لفهم الممارسات الطقوسية المرتبطة بموسم الدور وتحليل وظائفها الرمزية والاجتماعية في المجتمع المعاصر.

أما المحور الثاني، الموسوم بـ”بلاد ركراكة: تاريخ وأركيولوجيا”، فقد سلط الضوء على العمق الحضاري والتاريخي للمجال الركراكي، باعتباره مختبراً تاريخياً وأركيولوجياً يكشف تطور أشكال التنظيم الاجتماعي والروحي بالمغرب عبر القرون. واستعرضت المداخلات المعطيات التاريخية والأثرية الغنية التي تزخر بها المنطقة، من بقايا مساجد وزوايا وأسواق ومراكز عمرانية تعكس الثراء الحضاري والمعماري لبلاد ركراكة.

كما أجمع المشاركون على أهمية المخطوطات والرسائل والظهائر السلطانية المرتبطة بركراكة، باعتبارها مصادر تاريخية أساسية لفهم أدوار الزوايا والصلحاء في الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية، مؤكدين أن صلحاء ركراكة لم يقتصر دورهم على الجانب الروحي، بل ساهموا في مجالات العلم والتنظيم الاجتماعي ومقاومة التدخلات الخارجية والحفاظ على الهوية المحلية.

ودعا المتدخلون إلى ضرورة تحقيق ونشر هذه الوثائق التاريخية وتكثيف الأبحاث الأركيولوجية لحماية الذاكرة الجماعية للمنطقة وتثمينها علمياً وثقافياً.

وفي المحور الثالث، المتعلق بـ”رجراجة: المجال، التراث، التنمية”، ناقش المشاركون السبل العملية لتحويل التراث الركراكي إلى رافعة للتنمية المجالية المندمجة، من خلال وضع إطار قانوني ومؤسساتي واضح، وإشراك مختلف الفاعلين المحليين والوطنيين في مشاريع التثمين وفق مقاربة تشاركية متوازنة.
وأكد الباحثون أهمية تفعيل القانون 30-22 المتعلق بحماية التراث الثقافي، مع ضرورة إدراج المواسم التقليدية ضمن قوائم التراث اللامادي، بما يتيح دعماً أكبر للممارسات التراثية الأصيلة، ويحميها من محاولات الاستحواذ أو التسليع المفرط.

كما شدد المشاركون على أهمية الاستثمار في الثقافة والفن والإبداع كمدخل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تطوير مسارات سياحية ثقافية مرتبطة بموسم الدور، وإنشاء مراكز تفسيرية، وتشجيع المنتجات الحرفية والثقافية المرتبطة بركراكة، بما يضمن استفادة الساكنة المحلية ويحافظ في الوقت نفسه على الهوية الروحية والتراثية للموسم.

وخلص الملتقى إلى مجموعة من التوصيات العملية، همّت بالأساس تعزيز البحث العلمي حول التراث الصوفي، وإنجاز دراسات إثنوغرافية معمقة حول موسم الدور، وإحداث أرشيف رقمي شامل للوثائق والمخطوطات والذاكرة الشفهية المرتبطة بركراكة، إضافة إلى الدعوة لتسجيل “دور زوايا ركراكة” ضمن قائمة التراث الثقافي اللامادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو.

كما أوصى المشاركون بإنشاء منصة رقمية تفاعلية متعددة اللغات، وإنتاج فيلم وثائقي مؤسساتي حول ركراكة، وإعداد لوحات تعريفية ومسارات سياحية ثقافية، فضلاً عن إحداث مركز متخصص للتعريف بتراث ركراكة يكون فضاءً للتوثيق والعرض المتحفي والبحث العلمي والاستقبال السياحي.

وأكدت أشغال الدورة الثانية من ملتقى ربيع ركراكة أن التراث الصوفي المغربي يشكل رصيداً حضارياً وثقافياً قادراً على الإسهام في التنمية الترابية المندمجة، متى توفرت الإرادة المؤسساتية والرؤية العلمية التشاركية الكفيلة بتحويل هذا التراث إلى مشروع تنموي مستدام يحافظ على أصالته ويواكب التحولات المعاصرة.

مشاركة