بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير نشر صوت العدالة
في خضم واحدة من أكثر القضايا المالية إثارة للجدل، المرتبطة بما راج عن “اختلاس 61 مليار سنتيم” داخل شركة العمران الشرق، تبرز اليوم معطيات جديدة من شأنها أن تعيد ترتيب أوراق هذا الملف من أساسه، وتطرح بإلحاح سؤال العدالة والإنصاف قبل أي شيء آخر.
فبعد الضجة التي رافقت مراحل البحث التمهيدي والأحكام الابتدائية، كشفت خبرة تقنية جديدة عن اختلالات جوهرية في المنهجية التي اعتمدتها الضابطة القضائية أثناء التحقيق، خصوصاً في ما يتعلق بكيفية احتساب المبالغ موضوع الاتهام، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام مراجعة دقيقة لمجمل الاستنتاجات التي بُني عليها الاتهام.
أرقام تحت المجهر.. والمبالغة تطيح باليقين
المعطى الأخطر الذي جاءت به الخبرة، يتمثل في أن الأرقام التي تم تقديمها على أنها “مبالغ مختلسة” تبدو، وفق القراءة التقنية الجديدة، مبالغاً فيها وغير دقيقة، بل إن طريقة تجميعها واحتسابها لا تستند إلى معايير محاسباتية صارمة، مما يجعلها عرضة للنقاش والتفنيد.
وهنا تطرح صوت العدالة سؤالاً جوهرياً:
كيف يمكن تأسيس إدانة جنائية ثقيلة على أرقام يشوبها الشك والارتباك؟
وأين هو الحد الفاصل بين التقدير الإداري والخطأ المحاسبي من جهة، والجريمة الجنائية من جهة أخرى؟
منهجية البحث تحت المساءلة
الخبرة الجديدة لم تكتف بتفكيك الأرقام، بل ذهبت أبعد من ذلك، لتُسجل ملاحظات دقيقة حول الطريقة التي اعتمدتها الضابطة القضائية، معتبرة أنها لم تحترم في بعض مراحلها القواعد التقنية المتعارف عليها في تحليل المعطيات المالية المعقدة، وهو ما قد يكون قد أدى إلى تضخيم النتائج وإعطاء صورة غير دقيقة عن حجم الأفعال المنسوبة.
وهنا لا يتعلق الأمر بالتشكيك في المؤسسات، بل بترسيخ مبدأ أساسي:
كل إجراء قابل للمراجعة، وكل تقرير قابل للنقاش، عندما يتعلق الأمر بحريات الأفراد وسمعتهم.
الشك يفسر لصالح المتهم.. لا ضده
في ضوء هذه المستجدات، يعود إلى الواجهة أحد أعمدة العدالة الجنائية، وهو المبدأ الكوني الذي يكرسه القانون المغربي:
“الشك يفسر لصالح المتهم”.
فإذا كانت الخبرة قد أثارت شكوكا جدية حول دقة الأرقام ومنهجية البحث، فإن أي إدانة لا يمكن أن تستقيم إلا على يقين ثابت، لا على فرضيات أو تقديرات قابلة للتأويل.
إن العدالة لا تُبنى على الانطباعات، ولا على ضغط الرأي العام، بل على أدلة واضحة لا يعتريها الشك.
بين الإدانة والبراءة.. لحظة الحقيقة تقترب
إن ملف زكرياء لزرق، في ظل هذه المعطيات الجديدة، لم يعد مجرد قضية اختلاس مفترضة، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة العدالة على تصحيح مسارها عندما تظهر معطيات جديدة.
فإما أن تثبت الأفعال بشكل يقيني لا يدع مجالاً للشك،
وإما أن يتم إنصاف المتهم وإعادة الاعتبار له، وفق ما يقتضيه القانون وروح العدالة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه جلسات غرفة غسل الأموال، يبقى الأمل معقوداً على قضاء مستقل، لا يخضع إلا لسلطان القانون، ويضع نصب عينيه حقيقة واحدة:
أن إدانة بريء أخطر من تبرئة مذنب.
صوت العدالة ستواصل مواكبة هذا الملف بكل مهنية وجرأة، دفاعاً عن الحقيقة، وانتصاراً لعدالة تنصف ولا تُدين إلا باليقين

