الرئيسية أحداث المجتمع الفيسبوك محكمة … والكومونتير قاضي

الفيسبوك محكمة … والكومونتير قاضي

IMG 20260427 WA0020
كتبه كتب في 27 أبريل، 2026 - 12:57 مساءً

لم يعد الفضاء الرقمي مجرد منصة للتعبير، بل تحوّل، تدريجياً، إلى سلطة موازية تُنتج أحكامها الخاصة، خارج كل مساطر التحقق والمساءلة. في هذا الفضاء، لا يحتاج الرأي إلى سند معرفي بقدر ما يحتاج إلى قابلية الانتشار. وهنا تحديداً، تتقاطع السرعة مع الهشاشة.

في المغرب، كما في سياقات أخرى، أضحى فيسبوك مختبراً للرأي العام، لكن أيضاً مسرحاً لخلط واضح بين الخبر والتعليق، بين المعطى والتأويل. يكفي أن تنتشر واقعة ما مقتطعة، مجتزأة، أو حتى مبتورة السياق حتى تتحول إلى “قضية” تتناسل حولها مواقف حادة، غالباً ما تسبق أي توضيح رسمي أو تحقيق مهني.

ما يثير الانتباه ليس فقط حجم التفاعل، بل طبيعة هذا التفاعل. فالتعليقات لم تعد مجرد آراء، بل صارت تُمارس وظيفة أقرب إلى “التحكيم”. المتهم يُدان رقمياً قبل أن يُستمع إليه، والبراءة إن ظهرت تأتي متأخرة، ضعيفة الأثر أمام زخم الانطباع الأول. إنها عدالة فورية، لكنها بلا ضمانات.

هذا التحول يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام ديمقراطية رقمية توسّع من دائرة التعبير، أم أمام انزلاق نحو “شعبوية رقمية” تختزل النقاش في ردود فعل سريعة؟
في الحالة الأولى، يفترض أن يُثري النقاش العمومي. في الثانية، يصبح النقاش رهينة للترند، حيث تُكافأ الآراء الأكثر حدة لا الأكثر دقة.

المفارقة أن معيار “المصداقية” نفسه يتعرض لإعادة تعريف. لم يعد المصدر وحده هو المحدد، بل حجم التفاعل: عدد المشاركات، التعليقات، واللايكات. وكأن الانتشار يُضفي شرعية على المحتوى، بصرف النظر عن دقته. هكذا، يتحول التكرار إلى بديل عن التحقق.

ولا يقف التأثير عند حدود الأفراد. فالمؤسسات، بدورها، أصبحت تراقب هذا المزاج الرقمي، بل وتستجيب له أحياناً. هنا، ينتقل الضغط من الشارع الفيزيائي إلى “الشارع الرقمي”، حيث يمكن لمنشور واحد أن يخلق موجة تفرض إيقاعها على الفاعل العمومي. لكن إلى أي حد يمكن بناء القرار العمومي على مؤشرات انفعالية متقلبة؟

في النهاية، لا يتعلق الأمر بإدانة المنصة في حد ذاتها، بقدر ما يتعلق بكيفية استخدامها. فبين توسيع هامش التعبير وتآكل معايير النقاش الرصين، يظل التحدي قائماً: كيف نحافظ على حيوية الفضاء الرقمي دون أن نفقد البوصلة النقدية؟

ربما السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا يُقال على فيسبوك؟
بل: كيف ولماذا نصدّقه؟

مشاركة