العيادي بنبيݣة
منذ فترة، عندما فاز المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة بكأس العالم للفئة نفسها، كنت قد دافعت عن فكرة بسيطة: تحويل هذا الإنجاز الرياضي إلى رافعة للترويج السياحي. فالتاريخ يُظهر أن الدول التي تتألق على الساحة الدولية تجذب بشكل طبيعي الفضول، بل وحتى الرغبة في الاكتشاف. فكثير من المسافرين يرغبون في زيارة “البلد الذي يفوز”، البلد الذي يُتحدَّث عنه، والذي يُلهم. ومع ذلك، لم يتم استغلال هذه الفرصة بالشكل الكامل.
اليوم، وفي سياق يتسم بتوترات في الشرق الأوسط، يظل الاستنتاج نفسه قائمًا: لا ينبغي للمغرب أن يكتفي بالمراقبة، بل عليه أن يستغل بنشاط اللحظات التي يكون فيها انتباه العالم متاحًا.
بصفتي رائد أعمال، فإن هذه القراءة للسياحة تشبه قراءة السوق. فالمقاول لا يخضع لبيئته، بل يحللها، يحدد الفرص، ويتموضع في الوقت المناسب. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المغرب كـ“عرض” ضمن سوق عالمي للسفر في تطور مستمر. واليوم، يتميز هذا السوق بحقيقة بسيطة: يضع السياح مسألة الأمن في صلب قراراتهم. وفي ظل سياق دولي غير مستقر، فإن التموقع كوجهة مستقرة، سهلة الوصول، ومطمئنة، ليس انتهازية بل استراتيجية. وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا، تنجح الدول القادرة على الاستباق والتحرك السريع في جذب الانتباه واستقطاب تدفقات جديدة.
لم تكن السياحة العالمية يومًا أكثر تأثرًا بالديناميات الجيوسياسية كما هو الحال اليوم. فعدم الاستقرار الإقليمي، والأزمات الصحية، والتوترات الأمنية، كلها عوامل تعيد رسم خريطة الوجهات الجذابة باستمرار.
في هذا السياق، هناك دول لا تتأثر بالأزمات فحسب، بل تحوّلها إلى روافع للنمو. ويُعد مثال الإمارات العربية المتحدة خلال جائحة كوفيد-19 نموذجًا واضحًا لهذه القدرة على التكيّف الاستراتيجي.
أما بالنسبة للمغرب، فتبدو اليوم نافذة مماثلة قد فُتحت. لكن يبقى الأهم هو كيفية استغلالها.
قطاع في طور إعادة التشكل
وفقًا لأحدث توجهات السياحة العالمية، تبرز عدة تحولات أساسية:
• يفضل المسافرون بشكل متزايد الوجهات التي تُعتبر مستقرة وآمنة
• تُتخذ قرارات السفر بشكل أسرع، مع مقارنة أقل
• أصبحت الرؤية الرقمية والإعلامية عاملًا حاسمًا
وفي هذا السياق، فإن أي عدم استقرار في منطقة معينة — خاصة في الشرق الأوسط — يؤدي إلى تحويل فوري تقريبًا للطلب نحو وجهات بديلة.
بمعنى آخر: السياح لا يتخلّون عن السفر، بل يعيدون توجيه اختياراتهم.
النموذج الإماراتي: استراتيجية واضحة
خلال أزمة كوفيد-19، راهنت الإمارات العربية المتحدة على خيار جريء لكنه ناجح: الحفاظ على حضورها في عالم متوقف.
بعض النتائج البارزة:
• استئناف سريع للتدفقات السياحية بعد إعادة الفتح الجزئي
• الحفاظ على مستوى عالٍ من الإقبال في مراكز مثل دبي
• تعزيز الصورة الدولية كوجهة “منفتحة”
مفاتيح النجاح:
• حملات تسويقية عالمية مكثفة
• تواصل مطمئن ومتناسق
• عرض سياحي متماشي مع توقعات ما بعد الأزمة
لم تكتفِ الإمارات بالتقاط الطلب القائم، بل ساهمت في تشكيل تصور السفر في زمن عدم اليقين.
المغرب: قاعدة قوية لكن تموضع يحتاج إلى تعزيز
يسجل المغرب أداءً سياحيًا قويًا في السنوات الأخيرة، من خلال:
• ملايين الزوار سنويًا
• قطاع يمثل نسبة مهمة من الناتج الداخلي الخام
• تطور تدريجي في جودة العرض
مزاياه التنافسية:
• القرب: على بعد 2 إلى 3 ساعات من كبريات العواصم الأوروبية
• التنوع: سياحة شاطئية، ثقافية، صحراوية، وجبلية
• تكلفة تنافسية مقارنة بوجهات دولية أخرى
وقبل كل شيء: صورة استقرار نسبي، وهي قيمة ثمينة في السياق الحالي.
التحدي الأساسي: أن يصبح خيارًا بديهيًا
رغم هذه المزايا، يبرز واقع واضح:
— المغرب جذاب… لكنه ليس بعدُ وجهة لا غنى عنها.
في أوقات عدم اليقين، يختار المسافرون الوجهات التي تخطر ببالهم فورًا. واليوم، تستفيد مدن مثل دبي من هذا الموقع المتقدم.
لا يزال المغرب يعاني من نقص في:
• حضور دولي قوي
• سرد واضح ومميّز
• تواجد مستمر في الحملات العالمية
التسريع: ضرورة استراتيجية
لاستقطاب التدفقات المُعاد توجيهها، تبدو عدة إجراءات أولوية:
1.الاستثمار في التسويق العالمي
حملات موجهة نحو أوروبا وأمريكا الشمالية وبعض الأسواق الناشئة يمكن أن تعيد تموضع المغرب بسرعة.
2.الاستثمار في عنصر الأمان
دون تهويل، من الضروري إبراز استقرار البلاد في بيئة إقليمية غير مستقرة.
3.تحسين تجربة الزبون
سلاسة في المطارات، جودة الخدمات، الرقمنة: كل تفصيل يؤثر في القرار النهائي.
4.بناء سرد قوي
على المغرب أن ينتقل من “وجهة ضمن أخرى” إلى وعد واضح:
— تجربة مختلفة، آمنة وسهلة الوصول.
فرصة أم انتهازية؟
قد يثير هذا السؤال الجدل: هل من المشروع الاستفادة من سياق جيوسياسي غير مستقر؟
في الواقع، لا يتعلق الأمر باستغلال أزمة، بل بالاستجابة لطلب قائم. فالسياح يبحثون عن بدائل، والوجهات التي تعرف كيف تتموضع هي التي تستقطب هذه التدفقات بشكل طبيعي.
وقد أثبتت الإمارات العربية المتحدة ذلك: المفتاح يكمن في الاستعداد، والسرعة، والانسجام.
خاتمة: نافذة زمنية محدودة
السياحة الدولية تعمل وفق دورات قصيرة. والفرص المرتبطة بالأزمات تكون بطبيعتها مؤقتة.
اليوم، يمتلك المغرب كل المقومات لتعزيز موقعه:
• عرض غني
• موقع استراتيجي
• صورة إيجابية عمومًا
لكن في سوق شديد التنافس، يجب تفعيل هذه المزايا بسرعة وذكاء.
— لأن في السياحة، ليس دائمًا الأفضل هو من يفوز.
— بل من يعرف كيف يصبح وجهة لا يمكن تجاهلها في الوقت المناسب.
العيادي بنبيݣة : المغرب أمام فرصة استراتيجية في عالم غير مستقر

كتبه صوت العدالة كتب في 10 أبريل، 2026 - 12:45 مساءً
مقالات ذات صلة
10 أبريل، 2026
Layadi benbiga : le Maroc face à une opportunité stratégique dans un monde instable
Il y a quelque temps, lorsque l’équipe nationale des moins de 20 ans du Maroc avait remporté la Coupe du [...]
8 أبريل، 2026
أصدقائي، تلك الدعائم الخفية لنجاحي
العيادي بنبيݣة في مسيرة رجل الأعمال، غالبًا ما نتحدَّث عن الاستراتيجية، والاستثمار، والرؤية، والمخاطرة. لكننا ننسى أحيانًا عنصرًا أساسيًا، يكاد [...]
7 أبريل، 2026
أحمد واسع الدين… قاضٍ بهدوء الحكماء وصلابة القانون
بقلم: عزيز بنحريميدة مدير نشر جريدة صوت العدالة في سياق خطها التحريري القائم على إبراز الكفاءات القضائية الوطنية التي تشكل [...]
6 أبريل، 2026
الاعلام الالكتروني بين فوضى النشر وحماية الملكيةالفكرية
لم يتمتع إلى الآن النشر الأكتروني بالملكية الفكرية ..التي تضبط عملية النقل ..منه..و اليهوتضمن حقوق الناشر والمؤلف..من النقل..والتشوية.النشر الأكتروني في [...]
