بقلم: الأستاذ كفيل محمد الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة
في لحظة إذاعية عابرة، قال الصحفي ياسين الحسناوي: “أنا لا أفهم ماذا ربح المغاربة من تحرير الأسعار”. جملة تبدو بسيطة، لكنها في عمقها تختزل حيرة شعب بأكمله. حيرة المواطن الذي يراقب الأرقام وهي ترتفع، والوعود وهي تتبخر، والقدرة الشرائية وهي تنكمش يوماً بعد يوم. لكن، هل فعلاً الحسناوي لا يفهم؟ أم أن ما يحدث أكبر من مجرد سوء فهم، وأقرب إلى واقع يُراد له أن يبدو معقداً حتى لا يُسأل عنه كثيراً؟
دعني أقولها بوضوح: المشكل ليس في الفهم، بل في ما يُراد لنا أن نفهمه فقط.
تحرير أسعار المحروقات، في جوهره، ليس خطيئة اقتصادية. بل قد يكون، من زاوية المالية العامة، قراراً مطلوباً لتخفيف عبء صندوق المقاصة وضبط توازنات الميزانية. لكن الخطأ القاتل لم يكن في القرار نفسه، بل في الطريقة التي نُفذ بها، وفي السياق الذي فُرض فيه على مجتمع هش، دون ضمانات حقيقية للمنافسة، ودون آليات صارمة لحماية المستهلك. لقد تم تحرير الأسعار في سوق غير محرر، وترك المواطن أعزل في مواجهة فاعلين لا يؤمنون إلا بمنطق الربح.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لقد ابتُلي هذا البلد الأمين بفئة بلغ بها الجشع مبلغاً عظيماً، فتعاملت مع المغرب وكأنه ضيعة ورثتها عن آبائها. أوليغارشية مالية لا ترى في الدولة سوى فرصة، ولا في المواطن سوى زبون مُكره، ولا في السوق سوى مجال مفتوح للهيمنة. هؤلاء لا يعنيهم شيء اسمه الأمن الطاقي، ولا تعنيهم تقلبات الأسعار العالمية إلا بقدر ما تدر عليهم من أرباح إضافية.
وتساءل صديقي لماذا لاتزال محطة لاسامير مغلقة
أمام عمق السؤال تقول لك يا صديقي
“لاسامير”، هذه المنشأة التي لم تكن مجرد شركة، بل كانت ركيزة من ركائز السيادة الطاقية. حين أُغلقت، لم يُغلق فقط مصنع، بل أُغلق جزء من قدرة المغرب على التحكم في مصيره الطاقي. والأسوأ من ذلك، أن محاولات إعادة إحيائها قوبلت، في أكثر من مرة، بأبواب موصدة، وكأن الأمر يتعلق بمقدس لا يجوز الاقتراب منه، لا بمؤسسة اقتصادية من المفروض أن تخدم الصالح العام.
لقد تم التعامل مع “لاسامير” كإرث خاص، لا كأداة استراتيجية. وكأن المطلوب ليس تشغيلها، بل إبقاؤها خارج اللعبة، حتى تظل السوق مفتوحة أمام من يتحكمون فيها دون منازع.
أما الحديث عن المخزون الاستراتيجي، فذلك ملف آخر يثير القلق أكثر مما يطمئن. لا أحد يقدم أرقاماً واضحة، ولا أحد يجيب بشكل صريح. في المقابل، يواصل المسؤولون سياسة النعامة، رؤوس في الرمل، وخطابات مطمئنة لا تقنع أحداً، بينما المواطن يكتوي بنار الأسعار يومياً.
صديقي الحسناوي، تقول إنك لا تفهم ماذا ربح المغاربة من تحرير الأسعار. وأنا أقول لك: لم يربحوا شيئاً يُذكر. بل على العكس، خسروا كثيراً. خسروا القدرة على التوقع، خسروا جزءاً من استقرارهم الاجتماعي، وخسرت الطبقة المتوسطة توازنها الذي كان هشاً أصلاً.
صحيح أن القرار اتُخذ في زمن حكومة سابقة، وربما بدافع إصلاحي، وربما أيضاً بنقص في الدهاء السياسي. وقد يكون من اتخذه ظن أنه يُحسن صنعاً، لكنه أساء التقدير في غياب شروط نجاح القرار. لكن السؤال الأهم اليوم ليس من اتخذ القرار، بل لماذا لم يُراجع؟ لماذا لم تُسقف الأسعار؟ لماذا لم تُفرض قواعد منافسة حقيقية؟ ولماذا تُترك السوق على هذا النحو من الانفلات؟
الجواب، في تقديري، معروف… لكنه غير مريح.
حين تنظر إلى ثروات بعض الفاعلين في هذا القطاع خلال السنوات العشر الأخيرة، ستدرك أن هناك من ربح كثيراً. ربح بشكل لافت، بل بشكل يطرح أكثر من سؤال. وفي المقابل، ستجد أن المواطن العادي هو من دفع الفاتورة كاملة، دون أن يكون له صوت أو قدرة على التأثير.
اليوم، الأنين الحقيقي الذي يجب أن يُسمع ليس صراخ الأرقام في التقارير، بل أنين الطبقة المتوسطة التي يُكسر ظهرها بصمت. هذه الطبقة التي كانت تشكل صمام الأمان الاجتماعي، تتحول تدريجياً إلى طبقة مثقلة، منهكة، ومهددة بالانزلاق.
إن الرهان اليوم ليس فقط اقتصادياً، بل سياسي واجتماعي بامتياز. فإما أن نكون أمام حكومة تملك شجاعة التصحيح، وتتحول إلى حكومة إنقاذ تعيد التوازن وتحمي ما تبقى من القدرة الشرائية، أو نستمر في هذا المسار الذي لا ينتج إلا مزيداً من الاحتقان وتقسيم الظهور.
في النهاية، صديقي الحسناوي لا يجهل ما يجري، بل يفهمه جيداً، وربما أكثر مما يُقال على العلن. غير أن سؤاله لم يكن طلباً لجواب بقدر ما كان كشفاً لعمق الإشكال. لقد وضع إصبعه على الجرح، وعبّر بصيغة بسيطة عن معاناة مركبة. لكن الحقيقة التي تتسلل من بين الكلمات أن إحساسنا بما يحدث بات أعمق من كل الأجوبة الجاهزة، وأن الواقع صار أبلغ من أي تفسير. هنا، لا يكون السؤال دليلاً على نقص في الفهم، بل شهادة على وعيٍ يُدرك حجم ما لا يُقال.

