صوت العدالة- عبد الكبير الحراب
في مرافعة مطوّلة أمام هيئة المحكمة، شددت المحامية أمينة الطالبي، عضو هيئة دفاع المتهم رشيد لمرزق، على أن مسار التحقيق شابته اختلالات مسطرية اعتبرتها مؤثرة في سلامة الإجراءات. وأبرزت أن قاضي التحقيق لم يُفعّل مقتضيات المادة 82 المتعلقة بإجراء البحث الاجتماعي، وهو ما وصفته بخرق إجراء جوهري كان من شأنه الإسهام في تكوين صورة دقيقة عن المتهم وظروفه.
وأكدت الدفاع أن ملف القضية يخلو من أي قرائن مادية يمكن أن تربط موكلها بالأفعال المنسوبة إليه، مشيرة إلى أن مساره المهني الممتد منذ سنة 1992، والذي تدرج خلاله من مهندس إلى رئيس مصلحة، لم يُسجل عليه أي تجاوز. وأضافت أن وضعيته المادية، المحدودة في منزل وسيارة، تتعارض مع أي فرضية لوجود اغتناء غير مشروع.
وفي معرض تفكيكها لبنية الاتهام، أوضحت المحامية أن رشيد لمرزق لم يكن عضواً في أي من لجان الصفقات أو طلبات العروض، ما يُخرجه، بحسب تعبيرها، من دائرة اتخاذ القرار. واعتبرت أن طبيعة مهامه كانت إدارية بحتة، دون أي اختصاص تقني أو سلطة تقريرية في مجال الصفقات العمومية.
وانتقلت الدفاع إلى استعراض الإطار القانوني المؤطر لعمل لجان فتح الأظرفة، مشيرة إلى أن المواد من 35 إلى 44 من مرسوم الصفقات العمومية تضبط بدقة كيفية تنظيم الجلسات وتحرير محاضرها. ووصفت هذه المحاضر بأنها “عنوان الحقيقة”، لكونها وثائق رسمية موقعة من طرف الأعضاء المخول لهم قانوناً، ما يطرح إشكال مساءلة أشخاص خارج هذه الصفة.
كما أكدت أن كل اجتماع للجنة يتم توثيقه بمحضر مستقل، سواء تعلق بمرحلة فتح الأظرفة أو تقييم العروض، وأن التوقيع على هذه الوثائق يظل حصرياً للأعضاء الرسميين، وهو ما يعزز، حسب الدفاع، غياب أي صفة قانونية لمساءلة موكلها ضمن هذا الإطار.
وفي ما يتعلق بدور رئيس الجماعة بصفته صاحب المشروع، أوضحت الطالبي أنه المسؤول عن إطلاق طلبات العروض واستقبال ملفات المتنافسين، قبل إحالتها على المصلحة المختصة لترتيبها وإعدادها لعرضها على اللجنة. وقدمت في هذا السياق نماذج من مراسلات الاستدعاء والتبليغ، معتبرة أنها تثبت احترام المساطر القانونية، خاصة ما يتعلق بتمكين أعضاء اللجنة من الملفات قبل سبعة أيام من انعقاد الاجتماعات.
وانتقدت الدفاع ما وصفته بمحاولات بعض أعضاء اللجان التنصل من مسؤولياتهم، متسائلة عن مدى مصداقية الادعاء بعدم الإلمام بمساطر الصفقات رغم المشاركة المتكررة في اجتماعاتها، معتبرة أن ذلك يتنافى مع المنطق القانوني والعملي.
وبخصوص الدور المنسوب لرشيد لمرزق، أوضحت المحامية أنه اقتصر على مهام إدارية، مثل استقبال الملفات وتحرير المحاضر وتوجيه المراسلات، دون أن تكون له أي سلطة في اتخاذ القرار، مشددة على أنه “يُحاكم من خلال وظيفته لا كشخص”.
كما استندت إلى مقتضيات المادة 41 التي تخول لرئيس الجلسة وحده صلاحيات الإشراف على عملية فتح الأظرفة، بما في ذلك استدعاء المتنافسين والسماح باستكمال الوثائق وفق الضوابط القانونية خلال جلسة عمومية.
وفي سياق متصل، أبرزت الدفاع أن المنظومة القانونية للصفقات العمومية توفر آليات دقيقة للمراقبة والتتبع، سواء قبلية أو بعدية، كما تتيح إمكانية الطعن في القرارات من طرف المتنافسين، خاصة في حالات الإقصاء. وأشارت إلى أن وجود شكايات من مقاولات كبرى يؤكد حيوية هذه الآليات وفعاليتها في حماية مبدأ المنافسة.
وأكدت المحامية أن القانون يمنح كذلك إمكانية إلغاء طلبات العروض في حال اكتشاف عيوب مسطرية أو بناءً على شكايات مؤسسة، وهو ما يعكس حرص المشرع على ضمان الشفافية والنزاهة في تدبير المال العام.
وفي محور حسن النية، شددت الطالبي على أن سلوك موكلها يعكس ضميراً مهنياً ونزاهة واضحة، في ظل غياب أي قصد جنائي أو منفعة شخصية. واستدلت على ذلك بتعاونه مع المفتشية، حيث قدم جميع الوثائق المطلوبة بعد مرور سنوات، دون محاولة إخفائها أو التملص من المسؤولية، وهو ما اعتبرته مؤشراً قوياً على شفافيته.
واختتمت الدفاع مرافعتها بالتأكيد على أن تحميل رشيد لمرزق مسؤولية اختلالات أو المشاركة في اختلاس أموال عمومية يفتقر لأي أساس قانوني، في ظل غياب الصفة داخل اللجان المختصة، وانعدام الأدلة المادية التي تثبت تورطه، معتبرة أن الملف لا يرقى إلى مستوى الإدانة.

