الرئيسية آراء وأقلام حين تتحول العدالة إلى رسالة سياسية: قضية عبد الحكيم الصفريوي بعد تأييد الحكم في ملف Samuel Paty

حين تتحول العدالة إلى رسالة سياسية: قضية عبد الحكيم الصفريوي بعد تأييد الحكم في ملف Samuel Paty

IMG 20260330 WA0008
كتبه كتب في 30 مارس، 2026 - 12:49 مساءً

بقلم:عبد الكبير الحراب

لم يعد قرار تأييد الحكم الابتدائي في حق الناشط المغربي عبد الحكيم الصفريوي، والقاضي بسجنه 15 سنة نافذة، مجرد محطة قضائية عادية في مسار قضية اغتيال المدرّس الفرنسي Samuel Paty، بل تحوّل إلى عنوان لجدل عميق يكشف، مرة أخرى، التداخل المعقد بين القضاء والسياسة في واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل فرنسا.

اللافت في هذا الملف، ليس فقط تثبيت العقوبة رغم مراجعة أحكام متهمين آخرين، بل طبيعة الأسئلة التي يفرضها هذا القرار: هل نحن أمام محاكمة جنائية صِرفة، أم أمام رسالة سياسية موجهة في سياق مشحون بالنقاش حول الإسلام والمسلمين في فرنسا؟

هيئة الدفاع عن الصفريوي لم تتردد في تبني الطرح الثاني، بل ذهبت إلى حد اعتبار أن ما جرى “محاكمة ذات خلفية سياسية”، وأن موكلها “يُحاكم في شخصه فئة واسعة من المسلمين”. هذا التصريح، مهما كان مثيرًا للجدل، يجد صداه لدى جزء من المتابعين الذين يرون أن الملف تجاوز حدوده الجنائية ليصبح رمزًا لصراع أوسع حول الهوية والانتماء.

الأكثر إثارة في هذا السياق، هو ما تؤكد عليه معطيات الملف نفسها، بحسب الدفاع. إذ تشير إلى أن منفذ الجريمة، الشاب الشيشاني Abdoullakh Anzorov، كان قد خطط لفعله الإجرامي بشكل مسبق، حتى قبل عرض الرسوم الكاريكاتورية داخل الفصل، وهو معطى، إن ثبت، يطرح تساؤلات جوهرية حول فرضية “التحريض المباشر”.

كما أن نتائج تحقيقات الأجهزة الاستخباراتية، وفق نفس المصدر، خلصت إلى عدم وجود أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين عبد الحكيم الصفريوي ومنفذ الجريمة أو الضحية. بل إن الخبرات التقنية المنجزة على هواتفه، لم تُسفر، حسب الدفاع، عن أي محتوى يُثبت ارتباطه بالفعل الإجرامي أو يتضمن دعوات للكراهية ضد الفرنسيين.

أمام هذه المعطيات، يطرح سؤال حاد نفسه: على أي أساس تم تثبيت عقوبة بهذا الحجم؟ هل يكفي “السياق” و”التأويل” لربط شخص بجريمة لم يشارك فيها ماديًا، ولم تثبت التحقيقات صلته المباشرة بها؟

السلطات الفرنسية، من جهتها، ترى في هذا النوع من المتابعات ضرورة لحماية المجتمع من “سلاسل التحريض غير المباشر” التي قد تفضي إلى العنف. لكن هذا التوجه يفتح بابًا واسعًا لنقاش قانوني خطير: أين تنتهي حرية التعبير، وأين تبدأ المسؤولية الجنائية؟

في هذا التوازن الدقيق، يخشى كثيرون من أن يتحول توسيع مفهوم المسؤولية إلى أداة قد تمسّ فئات بعينها، خصوصًا في مناخ سياسي وإعلامي حساس. وهنا بالضبط تتغذى أطروحة “المحاكمة السياسية”، التي لم تعد مجرد شعار دفاعي، بل تحوّلت إلى زاوية قراءة يتبناها عدد من المتابعين.

استدعاء شخصيات رسمية بارزة، مثل Laurent Nuñez وÉric Dupond-Moretti خلال مرحلة الاستئناف، لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل محاولة واضحة لجرّ الملف من إطاره الجنائي الضيق إلى سياقه السياسي والأمني الأوسع.

اليوم، وبعد تأييد الحكم، لم تعد القضية فقط قضية جريمة بشعة هزّت فرنسا، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة العدالة على الفصل بين الفعل الإجرامي وسياقاته، وبين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي.

وبين من يرى في الحكم حماية ضرورية للمجتمع، ومن يعتبره انزلاقًا نحو تجريم النوايا والانتماءات، تبقى قضية Samuel Paty مفتوحة على كل التأويلات… وربما على أسئلة أكبر من قاعة المحكمة نفسها.

1000488030
مشاركة