في سياق انخراطها المتواصل في مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع، لاسيما تلك المرتبطة بتقاطع القانون مع التقدم العلمي، شاركت الودادية الحسنية للقضاة في ندوة علمية متميزة نظمت بشراكة بين كلية الطب بالدار البيضاء وكلية الحقوق بسطات، إلى جانب الهيئة الوطنية للأطباء والجمعية المغربية لأطباء التجميل ونقابتي هيئة المحامين بالدار البيضاء وسطات، حول موضوع بالغ الراهنية يتعلق بطب الجراحة التجميلية وما يثيره من تحديات قانونية وآفاق مستقبلية.

وقد شكل هذا اللقاء فضاءً علمياً خصباً جمع نخبة من الأساتذة الجامعيين والأطباء المختصين والمحامين والقضاة، في صورة تعكس بجلاء أهمية المقاربة متعددة التخصصات في الإحاطة بالإشكالات المركبة التي يطرحها هذا المجال، حيث لم يعد الطب التجميلي مجرد ممارسة طبية تقنية، بل أصبح مجالاً تتقاطع فيه اعتبارات قانونية وأخلاقية واجتماعية دقيقة.

وسجلت الودادية الحسنية للقضاة حضوراً وازناً وفاعلاً، من خلال كلمة افتتاحية أبرزت الدور المحوري للقضاء في تأطير المسؤولية الطبية، خاصة في مجال الجراحة التجميلية الذي يطرح تحديات دقيقة تتعلق بإيجاد التوازن بين حماية حقوق المريض وضمان الأمن القانوني للأطباء. وقد تم التأكيد على خصوصية المسؤولية المدنية لطبيب التجميل، في ضوء الاجتهاد القضائي المغربي والمقارن، مع إبراز التحول التدريجي من مفهوم الالتزام ببذل العناية إلى توجه أكثر صرامة في بعض الحالات يقترب من الالتزام بتحقيق نتيجة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتدخلات ذات طابع غير علاجي.

كما تم التشديد على أهمية واجب الإعلام الطبي وضرورة تكريس مبدأ الرضا المستنير، باعتبارهما من الركائز الأساسية التي يقوم عليها التوازن التعاقدي بين الطبيب والمريض، مع إبراز هذا الأخير كشريك فعلي في العملية العلاجية، من خلال التزامه بالإدلاء بالمعطيات الضرورية لضمان نجاح التدخل الطبي.

وقد تميزت الجلسة العلمية، التي أشرف على تسييرها الأستاذ عبد اللطيف وردان، بنقاش علمي رصين وغني، تمحور حول طبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض، وحدود المسؤولية القانونية لطبيب التجميل، إضافة إلى عدد من الإشكالات العملية التي يفرزها هذا المجال، خاصة في ظل التطور المتسارع للتقنيات الطبية وتنامي الطلب المجتمعي على خدمات التجميل. وقد ساهم في إثراء هذا النقاش حضور وازن لمختلف الفاعلين من أكاديميين وأطباء ومحامين وقضاة، مما أضفى على الحوار طابعاً تفاعلياً يعكس أهمية التنسيق بين مختلف المتدخلين.

وقد تناولت المداخلات مجموعة من القضايا الجوهرية، من بينها الإطار القانوني المنظم لممارسة الطب التجميلي بالمغرب، وخصوصية المسؤولية المدنية والجنائية في هذا المجال، وإشكالية التمييز بين الطب العلاجي والطب التجميلي، فضلاً عن دور القضاء في حماية حقوق المرضى وضمان حقوق الأطباء، وأهمية التكوين المستمر لمواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالإشهار الطبي والتسويق في مجال التجميل. كما تم استحضار تجارب مقارنة، لاسيما الفرنسية والمصرية، في محاولة لإغناء النقاش وإسقاطه على الواقع القانوني المغربي.

وخلصت أشغال هذه الندوة إلى مجموعة من التوصيات التي تؤكد الحاجة إلى تطوير الإطار التشريعي المنظم لمجال الطب التجميلي بما يواكب التحولات المتسارعة، وتعزيز دور القضاء في توحيد الاجتهاد القضائي، وتكريس ثقافة الرضا المستنير، إلى جانب تشجيع التنسيق بين مختلف الفاعلين وتبادل الخبرات، والعمل على إرساء آليات وقائية تحد من النزاعات المرتبطة بالممارسة الطبية.

وتندرج مشاركة الودادية الحسنية للقضاة في هذا اللقاء العلمي ضمن رؤيتها الرامية إلى تعزيز الحوار بين القضاء وباقي المهن القانونية والطبية، بما يسهم في تطوير منظومة العدالة الصحية وترسيخ الأمن القانوني، ويعكس في الآن ذاته انخراطها الجاد في النقاشات العلمية ذات البعد الوطني والدولي، وسعيها إلى مواكبة المستجدات القانونية المرتبطة بالمجالات الحديثة.
وقد أكدت هذه الندوة، بما أفرزته من نقاشات عميقة وتوصيات عملية، أن المقاربة التشاركية تظل السبيل الأمثل لمعالجة القضايا المعاصرة، وأن القضاء يضطلع بدور أساسي في مواكبة التحولات التي يعرفها المجال الطبي، بما يضمن تحقيق التوازن المنشود بين حماية المريض وتشجيع الممارسة الطبية في إطار من المسؤولية والثقة

